رحم الله زمن جويسم

أحمد الجنديل

أحمد الجنديل

زاير عودة رجل لا يختلفُ عن الآخرين الذين يسكنون إحدى القرى الغافية على صدر الفرات، طويل القامة، يحتل شارباه صفحة وجهه، إذا ضحك ظهرت أسنانه التالفة الصفراء بفعل التدخين، وعلى جبهته ارتسمت ملامح الهدوء والطيبة والوداعة، يشارك أهل قريته أفراحهم وأحزانهم، يعود المريض، ويواظب على الحضور كل ليلة إلى مضيف الشيخ حيث رجال العشيرة يجتمعون هناك، يشربون القهوة، ويتسامرون بعض الوقت ثم يعود كل منهم إلى داره.
وزاير عودة يحرص على اصطحاب ابنه (جاسم) والذي يسميه الجميع (جويسم) من باب الدلع والتحبب، وكلما سنحت الفرصة للحديث عن فطنة الأولاد وفهمهم وذكائهم، يشعّ بريق من عيني زاير عودة، ويبدأ بالحديث عن شدّة الذكاء الذي يتمتع به ولده (جويسم) حتى لم يعد أحد من أفراد العشيرة لم يسمع بالمواهب الفريدة التي يتصف بها هذا الصبي الخجول، ومع إعادة الاسطوانة حول فطنة وذكاء هذا الصبي، قرر رجال العشيرة اختباره أمام الشيخ وبحضور أهل الدراية والفهم.
اجتمعت العشيرة بكل رجالها، وجلست النساء خلف المضيف، وتكدس الأطفال عند مدخله، واحتل (جويسم) منطقة الوسط، وخيّم صمت على الجميع باستثناء الأب الذي غمرته السعادة وهو يرى كل هذا الاهتمام بذكاء ولده الأسطورة الذي سيرفع رأسه عاليا أمام هذا الحشد الكبير من الرجال والنساء.
بدأت الحيرة تلقي بثقلها على الشيخ، وأخيراً اهتدى إلى ما يريد، فسأله: من أين نحصل على الصوف؟ التفت الصبي يمنة ويسرة، بعدها أطرق إلى الأرض، ثمّ رفع رأسه فوقع نظره على قطة تنام مع صغارها خارج المضيف، أجاب فرحا: “نحصل عليه من هاي البزونة يا حضرة الشيخ”.
انطلقت زغرودة عالية من أم (جويسم) وضجّ المضيف بموجة من الضحك المتواصل، الأمر الذي أوحى إلى الأب بأن ابنه قد أصاب كبد الحقيقة، والضحك الذي سمعه ما هو إلا صورة من صور الإعجاب الشديد بصواب الإجابة، ممّا جعله يقفز إلى جانب ابنه، وهو يصرخ بالقوم: أقسم لكم بالله، أنا لم أعلمه ذلك، ولا قمت بإرسال إشارة إليه، فهو ذكي منذ صغره ولا يحتاج إلى من يساعده على نجاح الامتحان.
تعالى الضحك أكثر من ذي قبل، عندها أدرك الأب فجيعة الورطة التي دخل إليها، فسحب ولده، وخرج غاضبا لا يلوي على شيء.
رحم الله زاير عودة، ورحم الله زمن جويسم، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
الى اللقاء.

About alzawraapaper

مدير الموقع