رحل فاضل والمِسكُ ذكراه

د. موفق عبد الوهاب

د. موفق عبد الوهاب

الدنيا مجرد رحلة نقضي فيها زمناً نعيشه بحلاوته ومرارته ثم نذهب الى مثوانا الاخير، فالموت أحد الأشياء المشتركة بيننا وإن أختلف الظرف و الزمان و المكان.
إنتظرت حتى نهاية مجلس عزاء الفنان الرياضي الدكتور فاضل خليل أستاذي ومعلمي وصديقي رحمه الله لكي أكتب هذه السطور كجزءٍ من رد الدين تجاه رجل لم يترك خلفه سوى الأثر المميز والذكرى الطيبة، ذكريات لا يمكن نسيانها بسهولة تربطني بالراحل الفاضل سواء عندما كنت طالباً في كلية الفنون الجميلة وهو عميد الكلية فضلاً عن ترأسه اللجنة التي ناقشت رسالتي في مرحلة الماجستير أم لاعباً في نادي الزوراء وهو نائبٌ لرئيس النادي، ويا ليت الكلمات تكفي لتعبر عن الحزن الذي يعتريني وتكون بحجم الغصة والمرارة اللتين تجرعتهما حال سماع نبأ وفاته، إذ ليس هُناك ألماً وقسوةً أشد على الشخص أكثرُ مِن سماعه نبأ وفاة إنسان قريب له، على الرّغمِ مِن أنّ الموت حقٌ على كُلِ إنسان.
روحك العزيزة فارقتنا ولن تعود أبداً، ولا أعلم بما أعزي به نفسي، حتى كلمات المواساة لم تخرج كما ينبغي وأنا أحتضن إبنك “تميم” في مجلس العزاء، وحمدت الله وشكرته لأني رأيت إبنك “معمر” متماسكاً بعض الشيء ويحاول أن يبدو قوياً لكونه الأكبر وربان السفينة التي ستمضي بالعائلة بعدك إلى بر الأمان إن شاء الله، لكن سألت نفسي كيف سيمضي أصغر أولادك والسائر على خُطاك في الفن”خليل” أيامه دونك فأنت الأب والملهم له، رأيته حائراً في مجلس عزائك يحاول أن يتماسك ويحبس دموعه لأجلك ويسأل نفسه وسط اللحظات الرهيبة التي مرت عليه، هل صحيح أن والدي فارقني بسرعة البرق هذه؟!، لا أصدق أنه لن يكلمني مرة أخرى!، يا تُرى إن خرجت من هذا العالم هل سألتقي بك؟ يناجي ربه لكي تعود له ولو لساعةٍ فقط، لدقائق، لثوانٍ قليلة، لكن هيهات لأن روحك صعدت إلى السماء دون عودة.
رباه يا لهذه الدنيا، لحظات وإنقطعت كُل صِلةٍ للفاضل بهذا العالم، يا أَرقُ وأَنقى قلب عرفتُه، أنا أتألم بلا ألم، وأبكي بلا صوت، نار في صدري بلا لَهب وقودها ذِكرى، فتيلها لحظاتٌ أنهت حياةُ إنسان عاش للناس، فرحَ لهم وواساهُم وأَعَان الكثيرين منهم، إنسان قَلبُه كريشةِ الطائر الأبيض.
آلمني فُراقَك يا غالي في لمحِ البصر وكُل المشاهد مرت دَفعةً واحدة، سأشتاق لسماع تلك الكلمات منك التي كنت تُشَجِعُني بِها، وأُعلمُ يقيناً مُنذ احتضَنكَ القبر تحت الترابِ بأنك ستكون ذكرى، والذِكر يبقى زماناً بعد صاحِبه، وصاحبَ الذِكرِ تحت الأرضِ مدفون. مات صديقي وسيموتُ غيره الكثيرون، وسنموت نحن عن قريبٍ أو بعيد، وننزِل منازِل كما نزلت، ونقف بين يدي الملِك يوم الوعيد، وهذهِ سُنَة الله تعالى في خلقهِ، أنه لا باقي سِواه والكل سيفنى.
صديقي وأستاذي رحمك الله رحمةٌ واسِعة، عسى الله يغفر لك ماضي حياتك بدعواتنا لك ويسكنك عنده في جنة الخلد، ويهون فراقك على عائلتك ويمسح دموعهم ويلهمهم الصبر والسلوان.. اللهم إغفر له وإرحمه وإعف عنه، اللهم أكرم نزله ووسع مدخله وبدّله داراً خيراً من داره وأهلاً خيراً من أهله، اللهم إغسله بالماء والثلج والبرد ونقه من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الابيض من الدنس .
كتبت هذه السطور في رثاء الراحل الدكتور فاضل خليل فإعذروني إن إرتعشت بين أيديكم حروفي، أو بلل حزني صفحة من صفحات الجريدة.

About alzawraapaper

مدير الموقع