رجلان وامرأة

خلود البدري
قد تفرض علينا الأيام سطوتها، ولا بدّ والحال هذه القبول بالأمر الواقع. فأصبح الحظر الصحي نقمة، وخاصة على من اعتاد صحبة الأصدقاء والاختلاط بالناس. أما الحجر المنزلي بالنسبة لي فلم يكن كذلك. ليس لأني أحب حالة الإبعاد الاجتماعي التي فُرضت علينا. ولكن تلك الفسحة من الوقت كنتُ بحاجة إليها. وهكذا وجدتني أُرتب الكتب في مكتبتي، فأعثر صدفة على كنزٍ مفقودٍ منذ سنوات طوال، لا يذهب تفكيركم بعيدًا، فالكنز: عبارة عن مجموعة من الدفاتر المدرسية، التي كُنت ألخص فيها ما قرأت مُنذ سنوات منصرمة.
وهنا طرأت في رأسي فكرة كتابة تلك المُلخصات للروايات، والقصص، ودواوين الشعر، والدراسات العلمية، والفلسفية من جديد. لأحتفظ بها ، خاصة والأوراق بدأت تصفرّ وتتمزق. فكان علي والحال هذه أن أدون من جديد ما خطته الفتاة الصغيرة من عبارات بخط يدها، أسترجعها اليوم. مُتسائلة : هل لتلك القراءات أثرها في تشبثي بسُلَّم الكلمات؟

فقد تعودت أن أكتب تعريفا لكل كتاب يقع بين يدي. وظننت أن النسيان قد طواها، لكنني تبينت أنها ترافقني طوال حياتي، وكما يقول:» كارلوس زافون « إذ أن صدى الكلمات التي نظن إننا نسيناها يرافقنا طوال الحياة، ويشيد في ذاكرتنا منزلا سنعود إليه عاجلًا أم آجلًا.»
ومن تلك الكتب رواية « رجلان وامرأة « للكاتب الألماني ليونارد فرانك، ويتضمن الكتاب أيضًا دراسة تحليلية للمسرحية التي تحمل الاسم نفسه، للكاتب طه حسين. طبعا، الكتاب غير موجود في مكتبتي الآن، وقد بحثت عنه في النت بصيغة pdf فلم أجده.
« وليونارد كاتب وروائي ألماني، كان والده نجارا فقيرا يعمل في صناعة الخزائن، مما أضطر الصبي بعد مرحلة الدراسة الابتدائية إلى العمل في ورشة لإصلاح الدراجات، وثقف نفسه بنفسه.»
أبطال الرواية: ريتشارد ، الزوج الأسير، كارل صديقة ، أنّا زوجة ريتشارد، وماري صديقتهما، وعشيقها الذي يعمل ميكانيكي.
تدور أحداث رواية « رجلان وامرأة « في زمن الحرب، وكوارث الحياة الاجتماعية التي تُخلفها أو تخلقها. « هنا شرارة حرب وهناك شرارة أخرى «. في سجن لاعتقال الأسرى، كان يتخذ في البلاد المحاربة، في غرفة يقبع أسيران الأول متزوج ، تنعقد بينه وبين أسير آخر صداقة، وذلك لوجودهما في المكان نفسه. فيبدأ المتزوج حديثه مع صديقه الأسير، فيبثه شوقه لبيته وزوجته، ويبوح له بكل أسراره. لسنوات أربع وهما في الأسر. ولا يقتصر حديثه عن أمور حياتيه صغيرة أو كبيرة، بل دأب ريتشارد بقص كل ما يتعلق بحياته وحياة زوجته، والكشف عن أدق التفاصيل. فأخذ يصف له بيته وكل ركن فيه، ويحدثه عن زوجته، وكُل شيء يتعلق بحياتهما.
فيشتعل في قلب كارل الحب، حب زوجة صديقه، ويتعلق خياله بها، حتى يتراءى له أنه يراها.
تحصل مشكلة في معسكر الأسر، وتسنح فرصة لكارل في الهرب من المعسكر. بعد مشقة سفر ومتاعب ، يتجه إلى بيت صديقه. يدخل غرفته التي وصفها له بكل دقة. فيخبر أنّا بحديث الزوج المطلع على كل شيء. فتنكر منه ذلك، وتضطرب لوجوده معها في غرفة واحدة، وتعرف تماما أنه غريب عنها.
فيبادرها بقوله: إلا تعرفينني يا أنّا .. أنا زوجك ريتشارد.
فلا تصدق كلامه، لأنها ببساطة تعرف زوجها. لكنها تتقبل وجوده بمرور الأيام، وتستمر حياتهما معا. تحمل أنّا من كارل. ويوم تنتهي الحرب يُطلق سراح زوجها الأسير. ويعود إلى بيته. تجفل منه زوجته، فيعزوا ذلك إلى قذارة جسده. وشكله المزعج بلحيته الطويلة الكثة. فيدخل عليهما كارل ويرحب به ريتشارد، ظنا منه أنه أتى في زيارة، يطلب منه أن يجلس، ويخبره أن هذه هي زوجته أنّا التي حدثه عنها. فيقول له كارل: بل هذه زوجتي أنا !
فينظر الزوج إلى بطن زوجته فيجدها منتفخة، فيعرف أنها حامل. فيظن أن صديقه كارل تملكها لليلة واحدة. فيُقرر مسامحتها. لكن كارل يأمرها أن تجمع أغراضها، فيصعق الزوج ويتهاوى على كرسيه، ولا يحرك ساكنا أثر صدمته بصديقه وزوجته.
في الرواية أيضًا قصة ماري وعلاقتها بالميكانيكي المُستأجر لغرفة تنام فيها، والتي تنشأ بينهما علاقة حب. ويأتي زوجها فيرى زوجته تحمل طفلًا. فيقطع أجازته ويعود إلى الجبهة، ويُقتل هناك. فتُحتقر، ثم تُنسى حكايتها مع مرور الزمن.

About alzawraapaper

مدير الموقع