رئيس مجلس القضاء: القانون يعاقب مرتكب جريمة العنف ‏الأسري أياً كانت صفته في الأسرة … خبير قانوني: جميع القوانين النافذة بشان الاسرة لا تتلاءم مع الظروف الراهنة وتحتاج الى التعديل او الالغاء … مفوضية حقوق الانسان لـ”الزوراء”: العنف الاسري يعد احد عوامل زيادة حالات الانتحار والطلاق

الزوراء/ حسين فالح:

ازدادت في الاونة الاخيرة ظاهرة العنف الاسري بين المجتمع العراقي التي عادة ما تكون ضحيتها المراة او الطفل وغالبا ما تكون على الشباب والمسنين، على الرغم من رفضها من قبل الدين الاسلامي والاديان الاخرى، الا ان هذه الظاهرة اخذت بالانتشار والتنوع في الفترة الاخيرة، وهناك اسباب عديدة ادت الى زيادة ظاهرة التعنيف الاسري في الفترة الاخيرة، بحسب المراقبين منها الوضع الاقتصادي الصعب المتمثل بزيادة نسب الفقر والبطالة في البلاد، وكذلك الى بعض المشكلات الاجتماعية .
وحذر المراقبون من استفحال هذه الظاهرة لكونها تؤثر على استقرار العام وقد تؤدي الى منزلقات خطيرة تتسبب بتفكك المجتمع، لافتين الى ان العنف الاسري يعد احد عوامل زيادة الانتحار والطلاق في البلاد، دعوا الى ضرورة تشريع قانون العنف الاسري ووضع المعالجات للحد من العنف الاسري.

اكد عضو مفوضية حقوق الانسان فاضل الغراوي ان العنف الاسري في العراق اصبح ظاهرة خطيرة تمس احد مرتكزات الدولة وهي الاسرة والمجتمع، لافتا الى ان هذا العنف يوجه الى المرأة والى الطفل قد يكون اقرب من الممنهج وبصورة بشعة جدا.
وقال الغراوي في حديث لـ”الزوراء”: ان صور العنف الاسري خلقت العديد من التداعيات النفسية والمجتمعية واثرت بشكل كبير على كيان الاسرة وعلى ديمومة الرابطة الاسرية وكذلك اثرت بشكل كبير حتى على النشأة بالنسبة للاطفال المعنفين والنساء الذين يتعرضن الى اقصى درجات العنف المفرط في العديد من المحافظات.
واشار الى ان العنف الاسري يعد احد العوامل الاساسية التي دفعت الى زيادة حالات الانتحار والطلاق والى زيادة الخلاف الاسرية وكذلك التداعيات التي حصلت في التعامل الانساني مع قضية المعنفات والمعنفين من الاطفال .
وتابع الغراوي: ان في الفترة الاخيرة شاهدنا الكثير من الصور البشعة والانتهاكات الخطيرة التي لحقت بالنساء والاطفال جراء هذا العنف الممنهج، مشددا على ضرورة ان يكون هنالك مراجعة شاملة من قبل الدولة ومؤسساتها في وضع حلول واقعية وحقيقية وجدية وليست حلول ترقيعية وروتينية لمعالجة هذه الظاهرة الخطرة على المجتمع.
ودعا الغراوي الى ضرورة تشريع قانون العنف الاسري ووضع استراتيجية والية لمكافحة العنف بكافة صوره واشكاله من خلال الاجراءات التنفيذية، مشددا على ان يكون للسلطة القضائية دور اخر في التعامل مع هذا الملف وفق ما تعاملت مع قضايا مجتمعية كانت فيها انعكاسات خطيرة على المجتمع مثل قضية الدكة العشائرية وقضية الارهاب كان يفترض ان يكون للقضاء اليوم وقفة جادة مع قضايا العنف الاسري والتعامل مع الاشخاص الذين يقومون بهذه الافعال والانتهاكات الخطيرة للمجتمع .
وزاد بالقول: وكذلك يجب ان يكون هنالك دور للمؤسسة الدينية وكذلك للمؤسسة الاعلامية والصحفية في توجيه الوعي وزيادته وانتشاره بين افراد المجتمع باعتبار هذه من الجرائم الخطرة التي قد تؤشر من الجرائم التي تمس اساس وبناء المجتمع وبالتالي اذا تحدثنا عن دولة خالية من العنف فيجب ان تكون هناك اجراءات حازمة من قبل صحاب القرار السياسي والتنفيذي والتشريعي للحد من هذه الانتهاكات.
البطالة احد الاسباب الرئيسة لانتشار التعنيف الاسري
من جهته، اوضح عضو لجنة حقوق الانسان النيابية النائب قصي الشبكي: ان احد اسباب زيادة التعنيف الاسري في المجتمع العراقي لاسيما في الاونة الاخيرة يرجع الى الوضع الاقتصاد العام في البلد، مؤكدا ان الجانب الاقتصادي يعد سببا رئيسيا لانتشار هذه الظاهرة لكون هناك عوائل ليس فيها معين وليس لديها مصدر رزق ثابت.
وقال الشبكي في حديث لـ”الزوراء”: ان هناك مؤشرات بزيادة نسبة البطالة والفقر في البلاد بسبب ما يمر به البلد حاليا من ازمات حقيقية سواء صحية او مالية وغيرها وهذا ينعكس سلبا على المجتمع من خلال احداث مشاكل مجتمعية تؤدي الى العنف الاسري.
ولفت الى ان الموضوع اقتصادي بحت يتطلب من الدولة تحسين المستوى المعاشي للمواطنين من خلال توفير فرص عمل للعاطلين والقضاء على الفقر، داعيا الى ان يكون هناك دور لرجال الدين من خلال اصدار التعليمات والفتاوى لتحريم العنف ضد المراة والطفل وحتى المسنين والشباب.
واكد ان البرلمان يتطلب منه سن قوانين صارمة بهذا المجال ، وكذلك الحكومة عليها ان تضع المعالجات اللازمة من اجل الحد من هذه الظاهرة التي تهدد المجتمع بالتفكك.
الدين الاسلامي يوصي باهمية الترابط الاسري
الى ذلك، اكد الباحث الاسلامي الشيخ مجيد العقابي، ان العنف الاسري فيه ملفات مفتوحة ومع ان القران الكريم والمنظومة القيمية الاخلاقية الاسلامية قد اعطت الحلول وكذلك فرضت العقوبات ونظمت العلاقة المجتمعية لكننا نجد ان المجتمع لم يلتزم الى ما جاء في المنظومة الاسلامية والمنظومات الدينية الاخرى.
واضاف العقابي في حديث لـ”الزوراء”: ان جميع الديانات جاءت والزمت على احترام المراة والاسرة بشكل عام واوصت على التراحم ورفضت وحرمت كل انواع العنف ضد الاسرة، حيث ان تعاليم الدين الإسلامي تُوضّح أهمية التراحم والترابط الأسري.
واوضح: ان المنظومة الاسلامية والاخلاقية تحث الجميع على احترام الاسرة بشكل عام سواء من الاب تجاه ابنائه او الابناء تجاه اخوانهم وابويهم وكذلك حتى مع اقربائهم، لافتا الى ان التعنيف يعد صورة من صور الارهاب فيجب على المجتمعات الابتعاد عنه لكون فيه تداعيات كبيرة وخطيرة على مستقبل الاسرة وكذلك على مستقبل البلد بشكل عام لكونه سيؤدي الى عدم استقرار مجتمعي.
ولفت الى ان الدين الاسلامي يحرم كل صور التعذيب والتعنيف سواء ضد المراة او الطفل او الشاب او المسن او ايا كان ووضع الحلول والمعالجات لذلك، داعيا السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية الى النظر لهذا الموضوع لكونه خطرا ويمس البنية الاساسية للدولة وهي المجتمع من خلال وضع الحلول والمعالجات التي عادة ما تكون اقتصادية ، وكذلك وضع عقوبات صارمة للحد من هذه الظاهرة .
تعديل القوانين او الغائها والاهتمام بالاسرة كفيل بتطوير المجتمع
اما الخبير القانوني علي التميمي فقد يرى بانه حان الوقت الملح لتشريع قانون الحماية من العنف الاسري وان يكون بصيغة وسطية يعامل الرجل والمرأة كونهم ركائز الأسرة وأساس المجتمع وان يكون بصيغة عراقية جميلة بعيدا عن الصبغة المقتبسة من دول أخرى، مشددا على ان يكون هذا القانون عراقي وفق الأخلاق العراقية وان يعامل أفراد الأسرة بنظرة واحدة وليس جعل القانون كأنه صراع بين الرجل والمرأة.
واضاف التميمي في حديث لـ”الزوراء”: انه لابد على المكلف الجديد برئاسة الوزراء ان يستحدث وزارة المرأة لان مبررات ذلك موجودة فنسبة النساء في العراق ٦٠% من عموم المجتمع وحتى تكون هذه الوزارة راعية لحقوق المرأة..في مواضيع ..العنف والطلاق والنهوة…وغيرها.
ودعا الى إعادة النظر في المواضيع والتشريعات ذات الصلة وخصوصا المادة ٤١ من قانون العقوبات التي تتيح للزوج تأديب المرأة وعشرات الخطوط الحمر تحت كلمة تأديب. خصوصا ان هذا القانون صدر عام ١٩٦٩ ولم يعد يلائم روح العصر بمثل هذه النصوص .
ولفت الى ان الدول التي تهتم بالأسرة والصغار هي دول متطورة وناجحة على المدى البعيد وتسير على السكة الصحيحة، مبينا ان المادة ٤١ من قانون العقوبات تقول أنه “لاجريمة اذا وقع الفعل استعمالا لحق تأديب الزوج لزوجته في حدود الشرع والعرف والقانون، وهناك بالتأكيد مايسبق الضرب وفق الشريعة الإسلامية وهو الإرشاد والنصح والهجر في المضاجع، ثم يكون الضرب غير المبرح” ..
واوضح: ان هذه المادة تواجه إشكالية في التطبيق فكيف يتم التمييز بين الضرب المبرح وغير المبرح والنص لم يبين التفاصيل فما هو المعيار، مؤكدا ان هذه المادة أما تحتاج إلى تعديل وبتفاصيل تزيل اللبس والاجتهاد أو يتم إلغاءها لأنها تناقض الدستور فهي اي المادة ٤١ تخالف المواد ٢٩ و٣٧ من الدستور العراقي وكذلك تخالف اتفاقيات دولية منها الاعلان العالمي لحقوق الإنسان وميثاق العهد الدولي.
واشار الى ان القوانين العراقية وخصوصا قانون العقوبات العراقي الذي صدر عام ١٩٦٩ وقانون الأحوال الشخصية الذي صدر عام ١٩٥٩ تحتاج إلى لمسات في بعض المواد أما تعديلا أو إضافة، لان طبيعة الحياة في ذاك الزمان ليس كما هو الان .
مجلس القضاء الاعلى: نصوص قانونية تعاقب مرتكبي العنف الاسري
من جانبه، اكد رئيس مجلس القضاء الاعلى القاضي فائق زيدان، ان القانون ينص على معاقبة مرتكب جريمة العنف ‏الأسري أياً كانت صفته في الأسرة.
وذكر بيان للجنة المراة والطفل والاسرة تلقت “الزوراء” نسخة منه: ان وفدا من السلطتين التشريعية والتنفيذية ضم تجمع البرلمانيات ولجنة المرأة النيابية ومستشار رئيس الوزراء لشؤون المرأة ومدير عام دائرة ‏تمكين المرأة في الأمانة العامة لمجلس الوزراء، واجتمع بالقاضي فائق زيدان رئيس مجلس القضاء الاعلى في مكتبه ببغداد .
واضاف: انه تم خلال الاجتماع الحوار مع السلطة القضائية للوصول الى أهداف سامية ومهمة نابعة من القانون العراقي الساري، والذي يحاول البعض تسييسه وفق مصالح مجتمعية ضيقة تنتهك حقوق النساء فيه.
من جهته قال القاضي فائق زيدان على أن القانون ينص على معاقبة مرتكب جريمة العنف ‏الأسري أياً كانت صفته في الأسرة، إذ لا يوجد مسوغ قانوني أو شرعي يبرر ارتكاب ‏هذه الجريمة كحال بقية الجرائم التي يعاقب عليها القانون.
و وجه زيدان المحاكم المختصة بتسهيل اجراءات تسجيل شكاوى العنف ‏الأسري واتخاذ الاجراءات القانونية السريعة والرادعة بحق من يرتكب هذه الجريمة ‏اضافة الى تسهيل اجراءات حصول المرأة على حقوقها في موضوع النفقة وحضانة ‏الأولاد.‏
دعوة للمعنفات بعدم السكوت
الى ذلك، اكدت رئيس تجمع البرلمانيات الا طالباني على النساء المعنفات والاخريات ممن تسلب حقوقهن القانونية والشرعية التوجه الفوري للجهات المختصة وعدم السكوت والبقاء تحت طائلة المصير المجهول الذي يتم ايصالهن اليه من قبل بعض العائلات والازواج.
وبينت الطالباني ان العمل مستمر ومكثف لاقرار قانون العنف الاسري وتعديل ما يمكن تعديله في البرلمان وفي السلطة التنفيذية لاحقاق الحق فيما يخص النساء العراقيات، ووقف الانتهاكات، والسماح لهن بأن يأخذن المكانة المجتمعية المستحقة بهن دون انتقاص من احد.
وعقد في وقت سابق اجتماع مشترك لممثلي المرأة في السلطتين التشريعية والتنفيذية ممثلين بكل من رئيسة لجنة المرأة والأسرة والطفولة النيابية ورئيسة تجمع البرلمانيات العراقيات ومستشارة رئيس الوزراء لشؤون المرأة ومدير عام دائرة تمكين المرأة العراقية في الأمانة العامة لمجلس الوزراء.
وذكر بيان للجنة المراة والطفل النيابية، ان الاجتماع ياتي نتيجة استشراء ظاهرة العنف الأسري في العراق خاصة في ظل الأزمة الاقتصادية الناجمة عن الحظر المفروض بسبب تفشي وباء كورونا وتداعياته الاجتماعية والنفسية ومارافق ذلك من انتهاكات خطيرة للروابط الأسرية والاجتماعية وآخرها حادثة الضحية ملاك الزبيدي التي تمثل واحدة من ابشع الصور التي هزت الضمير الانساني في كل مكان والتي تعد مثالًا صارخًا للعديد من الظواهر الاجتماعية السلبية الموجودة في جميع المحافظات العراقية والتي لايظهر للعلن منها الا النزر القليل.
واضاف: انه وبعد مناقشات مستفيضة أوصت المجتمعات بما يلي :
أولًا : الإسراع بتشريع قانون الحماية من العنف الأسري وجعله من أولويات عمل مجلس النواب في جلساته المقبلة والتوصية لرئاسة مجلس النواب بجعله في جدول أعمال الجلسات الأولى .
ثانيا: مناشدة السلطة القضائية لغرض إيلاء جرائم العنف الأسري الأهمية القصوى والعمل على عدم إفلات مرتكبيها من القصاص العادل .
ثالثًا: مطالبة الحكومة ووزارة الداخلية بتقديم الدعم اللازم إلى مديرية حماية الأسرة والشرطة المجتمعية لتمكينها من القيام بواجباتهم بالشكل الأمثل وبما يتلائم والتحديات الكبيرة .
واتفقت المجتمعات على المواصلة والمتابعة مع الجهات ذات العلاقة في السلطات الثلاث والمجتمع المدني بهذا الصدد.
انواع العنف الاسري
يقول مدير مركز الفرات للدراسات والبحوث الاستراتيجية الدكتور خالد العرداوي: ان العنف الأسري نوعان، أولهما (العنف المقصود الواعي) ويُقصد به جميع المُمارسات العدوانية الواعية المدعومة بإرادة وإصرار سواء أكانت مُبرّرة أو غير مُبرّرة، وتوجد أشكال مُتعدّدة لهذا النوع من العنف منها (القسوة في المعاملة) ويُقصد به (الضرب، ربط بالحبال، الحبس والحرمان من وجبات الطعام، إعطاء مواد لاذعة، تهجّم لفظ التهديد لإكسابهم أنماط سلوكية مقبولة وإستبعاد أخرى غير مقبولة الى جانب تنمية سمات مع الذكور منهم الرجولة والخشونة ولتعليمهم أدوارهم الاجتماعية المُستقبلية).
واضاف: ان هذا يأتي ضمن قسوة المُعاملة‏ (صورة الاستغلال الجسدي للأطفال‏، النقد والنهر والإذلال والإتهام بالفشل، تخويف الطفل)، أما ثانيهما فهو (العنف غير المقصود‏) ويُقصد به الاعتداءات الجنسية على الأطفال والتي يكون فيها الأب أو الأخ الأكبر هو الطرف المُعتدي، وغالباً تحدث مثل هذه الحالات تحت تأثير تعاطي المُخدّرات أو بعض الاضطرابات النفسية والانحرافات السلوكية.
نتائج العنف الأسري‏
أما عن نتائج العنف الأسري فيقول مدير مركز آدم للدفاع عن الحقوق والحريات أحمد جويّد المطيري: يتسبّب العنف الأسري في نشوء العُقدة النفسية التي تتطوّر وتتفاقم الى حالات مرضية أو سلوكيات أو سلوكيات عدائية إجرامية، وكذلك يُسبّب في زيادة إحتمال إنتهاج هذا الشخص الذي عانى من العنف النهج ذاته الذي مورس في حقه.
واضاف: كذلك يُساهم العنف الأسري في تفكّك الروابط الأسرية وإنعدام الثقة وتلاشي الإحساس بالأمان وربّما نصل الى درجة تلاشي الأسرة، ونظراً لكون الأسرة نواة المجتمع فأن أي تهديد نحوها من خلال العنف الأسري سيقود بالنهاية الى تهديد كيان المجتمع بأسره.‏

About alzawraapaper

مدير الموقع