دكتورة مختصة بالآثار في جامعة كمبردج: العراق هو أقدم بلد في العالم اكتشف الكتابة

في لقاء اجري معها قبل اكثر من 25 عاما..

* في بداية الثمانينيات وخلال انعقاد الندوة العالمية الثالثة للآثار التي أقامتها المؤسسة العامة للآثار في بغداد ذلك الوقت، سنحت لي الفرصة بأن ألتقي الدكتورة جون أوتس من جامعة كمبردج في بريطانيا والمختصة في آثار الشرق الأدنى، وقد قام مشكوراً بترجمة مادار في اللقاء آنذاك الدكتور والآثاري المعروف بهنام أبو الصوف، واليوم بعد مضي أكثر من ربع قرن على هذا اللقاء الصحفي، وجدت من المناسب أن أستعيد جانباً مما دار فيه، حيث تحدثت لي في البداية عن دراستها واختصاصها بقولها:
– في أواخر الخمسينيات وضعت رسالة عن حضارات وادي الرافدين ونشرت العديد من المقالات في مجلات متخصصة حول مواضيع الآثار والحضارات وأصول الحضارات التي سبقت السومريين. كما ألفت كتاباً عن حضارة بلاد بابل نشر عام 1978 في لندن وألفت كتاباً آخر بالمشاركة مع زوجي الأستاذ «ديفيد أوتس» أستاذ آثار وحضارات غربي آسيا في جامعة لندن وعنوانه «نشوء الحضارة في وادي الرافدين» وقد نشر أيضاً في لندن عام 1976 وأجري الآن دراسات تحليلية مختبرية للمواد التي صنعت منها فخاريات عصور ماقبل التاريخ في وادي الرافدين والأقطار المجاورة للتعرف على مصدر الطينة المواد الأولية التي عملت منها تلك الفخاريات. وهذه الدراسة تساعد علماء الآثار في التعرف على انتقال الحضارات وحركات الشعوب في العالم القديم.
* ماذا تعتقد الدكتورة جون أوتس اعتماداً على دراساتها، في أصول هذه الفخاريات والحضارات القديمة في أصل السومريين؟
– ان المكتشفات الحديثة التي حققتها المؤسسة العامة للآثار والتراث والبعثات العاملة معها في حوض سد حمرين وتلك المكتشفات التي سبقت هذه والتي حققتها المؤسسة في موقع (أريدو) قرب الناصرية بين عام 1946-1949 وما اعطتنا من أدلة حضارية ومعمارية ومعتقدات دينية غير منقطعة ومنذ أقدم طبقات السكن في أعماق هذه المواقع في وسط وجنوبي العراق ومنذ الألف السادس ق.م. وربما أقدم من ذلك، تدل دلالة قاطعة على ان السومريين وحضارتهم نشأوا وترعرعوا في هذا الوادي، وهم وحضارتهم ليسوا غريبين عن وادي الرافدين وانهم قطعاً لم يأتوا من مكان خارج هذا الوادي.
* لقد ورد في محاضرتك خلال هذه الندوة عن وجود تواصل حضاري ومنذ أواخر الألف السادس ق.م. بين مواقع عربستان القديمة وبين مواقع وسط وجنوب وادي الرافدين، فهل توضحين لنا ذلك؟
– لقد كانت هذه فكرتي في أوائل الخمسينيات معتمدة على نتائج مؤسسة الآثار العراقية في موقع «اريدو» في الاربعينيات وقد كتبت رسالتي للدكتوراه حول هذا الموضوع. وهذه الفكرة كانت تشغل حيزاً بارزاً من تلك الرسالة في حينه، والآن وبعد كل هذه المكتشفات الجديدة في مواقع «جوخه مامي» قرب مندلي والتي نقبنا فيها في أواخر الستينيات إضافة إلى المكتشفات والأدلة الغزيرة التي زودتنا بها تنقيبات حوض سد حمرين، قد تأكدت لدي هذه الفكرة بشكل قاطع، ومن أبرز مواقع عربستان التي تؤيد هذا الرأي وتثبت التواصل الحضاري بين وادي الرافدين وجزئه الشرقي في عربستان هي موقعي «جوخة سفيد» في دهلران و «جوخة مش» في عربستان، وان المواد الفخارية والبقايا المعمارية في مواقع عربستان المذكورة قد انتقلت نمن وسط وجنوب الوادي إلى مواقع عربستان تلك في أواخر الألف السادس ق.م وبالتأكيد أن هذه المكتشفات تدل على وجود تواصل اجتماعي وانتقال المعارف والتقنيات الفنية من وادي الرافدين إلى عربستان وربما انتقال معرفة الري الصناعي الذي عرف في موقع «جوخة مامي» قرب مندلي وانتقل إليهم من وادي الرافدين.
* في عام 1977 صدرت توصية من الجمعية العامة لهيئة الأمم المتحدة مفادها عودة جميع الممتلكات الثقافية للشعوب والمنتزعة من أماكنها الأصلية إلى أوطانها وتركت أمر تنفيذ ذلك بمناقشات ثنائية بين الدول المعنية. ونحن بدورنا نريد أن نتعرف على رأي الدكتورة جون بهذا الخصوص؟
– من المحزن أن لايستطيع الإنسان أن يشاهد في نينوى مثلاً الآثار العظيمة والمنحوتات الرائعة التي كانت تزين هذه القصور والمباني.
وبالتأكيد أن هذه الآثار وغيرها في عودتها إلى أماكنها الطبيعية شيء رئيس وصحيح لأنها تخص تراث شعب يعمل على بعض أمجاده القديمة من جديد ومع ذلك إن تنقيباتهم الكثيرة والمستمرة قطعاً ستعمل على تزويد المتاحف الوطنية الموجودة في القطر.. رغم أن وجودها في متاحف العالم يخدم جانب التعريف بحضارة وادي الرافدين، ولكني أفضل عودتها الآن إلى أماكنها الأصلية.
* وماذا عن أهمية هذه الندوة؟
– إن هذا اللقاء مهم ومفيد وأهميته وفائدته لنا كبيرة لأنه يعرفنا على أحدث المكتشفات الآثارية في بلادكم ومناقشة زملائنا العراقيين والزملاء الآخرين في أصل هذه المكتشفات وتاريخها وخصوصاً مع الذين اكتشفوها. حيث ان علم الآثار والدراسات الآثارية أصبح من السعة والتشعب بحيث احتاج معه إلى تكرار هذه اللقاءات وفي أماكن مختلفة من العالم ليقف الباحثون المعنيون على أحدث وأبرز المكتشفات فيه وبالنسبة لي فإنها المشاركة الأولى في هذه الندوة إلا أني سبق أن زرت العراق وعملت فيه منذ ثلاثين عاماً.
وفي عام 1951 قمت بزيارة العراق عندما كنت طالبة أحضر لدراسة الدكتوراه وأدرس نتائج البحث في «أريدو» من فخارياتها في عصر «العبيد» وبعد تخرجي تكررت زياراتي للعراق مساهمة في تنقيبات نمرود «وتل رماح» و»جوخة مامي» لعدة سنوات. وهنا لابد أن أشير إلى أن العراق ومنذ الثلاثينيات كان لديه آثاريين عراقيين بارزين كالمرحوم فؤاد سفر والأستاذ طه باقر والأستاذ محمد علي مصطفى وقد تعلمنا نحن الآثاريين الغربيين الشيء الكثير منهم ونحن سعداء ان نرى تلاميذهم الآن زملاء قديرين في حقول مختلفة من الآثار ويديرون مشاريع التنقيبات بنجاح كما انهم برزوا في حل رموز الكتابات المسمارية بمقدرة فائقة وانهم وزملاؤهم الآثاريون معروفون عالمياً الآن من جراء تنقيباتهم وبحوثهم المنشورة ومشاركاتهم في الندوات والمؤتمرات العالمية ومن الجدير بالذكر أن العراق هو أقدم بلد في العالم اكتشف الكتابة.
* وفي الختام عبرت الدكتورة جون أوتس عن ارتياحها وسعادتها لوجودها في بغداد وأضافت ان العراق ليس كما زرته في الخمسينيات وأرى أن على الحكومة العراقية يجب أن تهتم بالآثار بشكل كبير يوازي الاهتمام في مشاريع التطوير والتنمية والتي يجب أن لا تكون على حساب الآثار والنخيل!!

About alzawraapaper

مدير الموقع