دراسة نقدية لرواية «امرأة افتراضيّة» للرّوائية ليلى عامر… (المرض النّفسي وبناء الشّخصية الدّراميّة في الرّواية العربيّة)

أمل رفعت
_ تُشغلني العتبة الأولى في النّصّ عند بداية قراءتي له، وماذا تعني امرأة افتراضيّة ؟ وهل هي من وحي الخيال العبثي ؟ أم أنّني سوف أجد لها صورة حيّة داخل النّصّ؟ ولي بالتّأكيد عودة أخرى إلى العنوان الّذي شدّني ولكن بعد تمام القراءة وربّما قبلها.
_ لم تكن لي رغبة في التّطلّع إلى الغلاف بما أنّ الكاتب غالبا لا تكون له اليد العليا في إخراجه؛ ففضّلت التّطلّع إلى العمل عبر ال PDF أوّلًا ولكّنني في نصف الطّريق وددت التّعرّف على الغلاف لأنّه في كثير من الأحوال يكون جواز القارئ للمرور إلى النّصّ، وحينما تطلّعتُ إليه وجدت هذه البقعة الزّرقاء المشيرة إلى الفيسبوك أحرقت المتعة بداخلي وهذا شعور بالتّأكيد سوف يحدث لمن يقدم على شراء الرّواية، فتظلّ جملة « امرأة افتراضيّة» جملة مطّاطة لها العديد من التّأويلات وخاصّة عند قراءة العمل ورؤية الجاذبيّة وشدّ الانتباه ، تلك اللّعبة الّتي لعبتها السّاردة منذ البداية، لكن هذه البقعة الزّرقاء أطفأت الخيال لديّ وكنت أودّ لو انمحت من الغلاف..
_بالتّأكيد حين الولوج لأيّ كتاب؛ يجب أن أفوت على الإهداء، باعتباره عتبة نفسيّة للمؤلّف وربّما يكون هامًّا للنّاقد أكثر مِن القارئ، وبما أنّ البداية فيه كانت اجتماعية؛ فقد لاحظت ثلاثة إهداءات في نهايته أثّرت فيّ حينما قالت المؤلّفة:
« إلى كلّ غيمة أمطرت بدوني؛ فمنحت لنيسان مفاتيح الرّبيع..
إلى فراشات قلبي الّتي احترقت ظلمًا بنيران الغياب..
إلى الأشرار في كلّ مكان.»
ولأنّه من المعتاد أنّ خبرات الكاتب الحياتيّة تلوح من داخل النّصّ ، وددت اكتشاف فراشاتِ القلب و الأشرار.
والبداية من هنا:
الفصل الأوّل(رحيق الوردة)
_بالرّغم من جاذبيتها وخاصّة بالتّدرّج في اكتشاف القارئ للبطلة الافتراضيّة إلاّ أنّ هناك نوع من الرّبكة في الحوار ، حيث كان الإسهاب في وصف معالم سياحيّة لا تفيد النّص كثيرًا؛ ممّا أدّى إلى شعور بالتّقريريّة المملّة نوعًا ما.
_كان جزء المخاض بارعًا جدًّا وهو يصلح كبداية مثيرة بدلًا من ربكة الحوار.
الرّاوي
_كانت فكرة الرّاوي العليم ببواطن الأمور فكرة صائبة، في البداية لمّحت لي المؤلّفة أنّه إحدى قريبات بطلة العمل، وفي بداية الفصل الثّاني ظهر الموضوع بمنتهى السّلاسة في الحكي؛ إنّها الشّزوفرينيا، ، وبالتّالي فالوجه الآخر لسميرة كان هو الرّاوي كما كان يبدو، وأقصد إيمان أو كما كانت تحكي المريضة لطبيبها، وبالتّالي اختارتها السّاردة بمهارة، وهو العالم بحال سميرة وهو نصفها المريض، ولوحظ استعارتها لاسم أحبّ صديقاتها كما برز في الحكي.. هناك صوت آخر يأتي من بعيد لكن على استحياء يظهر في فترات قليلة متقطّعة وهو الرّاوي الّذي لا ينتمي إلى شخصيات العمل.
انقسم الحكي في مواطن عديدة بين المنلوج الدّاخلي للبطلة وضمير السّرد المتمثّل في نصفها الآخر ثمّ الحوار في قسمة متناسبة، وأيضا نبتت بعض الأصوات السّردية الأخرى.
المكان
_ تأرجح المكان في البداية بين مدينتين بالجزائر، ودمج عنصر سياحيّ يأخذ القارئ في جولة سياحيّة للآثار في تلك المرحلة، بالرّغم من وضوح المكان أمامي إلاّ أنّ هناك ربكة في مشاهدتي للمكانين ، أيضا ظهر عامل مكاني لا يمكن إغفاله وهو المشفى، واستمرّ هذا المكان لعدد من الفصول، وأيضا مقرّ عمل سميرة.
اللّغة
_ لغة شاعريّة عذبة الإحساس، لها مفردات من الجمل القصيرة الّتي تفيد التّشويق وفي ذات الوقت مضفرة بالتّشبيهات والاستعارات الشّعرية ولكن بدون ابتذال، هذا لأنّ السّاردة تمتلك أدوات الحكي، وعندها أسلوب لنفاذ الفكرة البسيطة بدمج أعراف مجتمعيّة للجزائر على وجه الخصوص.
سلبيات السّرد
_من الهنات الواضحة موقف الأمّ في ذهابها إلى مستشفى تيارت، تتحدّث مع سائق التّاكسي عن كيفيّة إعداد الكسكسي التّيارتي وهي المفروض جزعة من أجل ابنتها الوحيدة وتفكّر وتعيد ذكرياتها أيّام كانت ابنتها صغيرة وكأنّ شريط الذّكرى يمرّ من أمامها، وفجأة تتحدّث مع السّائق عن الطّبخ!
_ طبقًا لحديث سميرة؛ كانت الرّبكة في لقاء الضّحايا والّتي جعلتني استشعر أنّني لست داخل النّصّ ليخرج تفكيري ويبحث عن مكان وقوع الجريمة، فسميرة تعيش في مدينة جديدة بعدما انفصلت عن عائلتها ، وكانت تنتقم من عشّاقها الأوغاد، لم تزرع لي السّاردة مقتطفات عن المسافة حتّى أندمح في الحبكة الدّرامية ولا أفلتها؛ فعلاقاتها الغرامية كانت في مدينتها الأصليّة وانتقامها جاء بعد انتقالها إلى مدينة تيارت فعقلي لم يستوعب أن تقتطع الوقت من الدّوام لتذهب إلى أيّ مكان، ثمّ ترتكب جريمتها، ثمّ تعود خاصّة وأنا لست من الجزائر فالحبكة الدّرامية تحتّم سرد التّفاصيل وهو يخدم العمل أكثر من الإسهاب في التّحدّث عن الآثار.
_ هناك بعض المواضع انقلب فيها السّرد إلى خواطر مثل صفحة 211 ، وبعض المواضع اتّجه إلى أسلوبٍ خطابيّ، واختفى التّشويق الّذي كان يجرّ القارئ إلى الأعمق ولا يجعله يفلت الأطراف, كما أنّه في ص222 قصيدة كاملة لمحمود درويش لا مجال لها إطلاقًا ويشير لعين الحاذق بأنّ هذا العمل الأوّل لاستعراض الثّقافات وهذا لا يجوز في فنّ كالرّواية لأنّه ببساطة يصيبها بالتّرهّل.
_ أمّا في محاولة قتل سميرة للشّاب الجالس بالحديقة، محاولة غير موظّفة ، فكيف يتركون أشياء يمكن استخدامها في الإيذاء في مستشفي للأمراض النّفسية ؟ حتّى لو أبدت بعد ذلك سميرة في النّهاية أو أوحت بأنّ الأمر كان مجرّد حلم أو غيبوبة إلى خلافه، ولكن يجب احترام عقلية القارئ وإظهار الفنّ في إخفاء حقيقة الموضوع، فهو يسير معك في حقيقة النّص فلا يجب أن نخرجه من تخيّلاته ليفكّر كيف حدث هذا وكيف حدث ذاك؟
الحوار
_استخدم الحوار كتقنية فنّية من تفنيات السّرد، وكان استخدامه ناجحًا وكان بنفس لغة السّرد ممّا أعطى مزيدًا من المصداقيّة للشّخصيات المختلفة بثقافاتهم المختلفة.
من لمحات السّرد
_ لا أخفي أنّني سعدت وأنا أقرأ هذا العمل فقد عشت مع عائلة من الجزائر وعرفت أعرافها وترابطها وشخصياتها، وعشت أحزانها وفقدها، ونبضاتها من دون ملل وأحببت أن لا أترك العمل إلاّ وأنا أصل إلى النّهاية لولا أنّني أحلّله لأصل إلى أغوار النّص الّتي كانت دون أن أدري تشدّني للعمق؛ عمق إنسانيّ وعمق نفسيّ وقوميّ أيضا.
_التّشويق والإثارة في الإعداد للجريمة الكاملة أثار فضولي كقارئ فالأفكار مرتّبة الإعداد؛ بالرّغم من أنّ وسيلة التّخلّص من أعداء سميرة قد يبدو بدائيّ أو ساذج؛ إلاّ أنّه لا يمكن أن نخفي قدر الإثارة والتّماسك السّردي، وزرع علامات المرض النّفسي عن طريق الحكي للطّبيب النّفسيّ أو ما يسمّى بالميتا سرد أي الحكي داخل السّرد، يعطي رونقًا مدهشًا؛ بالرّغم من إقحام بعض جمل المشاهير أثناء السّرد كمحمّد عليّ كلاي ؛ ممّا يخرج القارئ عن متابعته نتاج تفكيره في الجملة الاعتراضية، وكنت أرى أنّه كان يكفي افتتاحيّة كلّ فصل بجملة مأثورة تمهّد للفصل ذاته 143ص.
النّهاية
_ أتت النّهاية شبه مضلّلة، وكان من الأفضل إقصاء حالة الحلم أوالغيبوبة، واستحداث حدث أقوى يجعل النّهاية أكثر حرّية كي تبدو بوضوح نهاية مفتوحة وليست مموّهة للقارئ.
الزّمن
يتحدّد الزّمن في بعض الفصول بالشّهر والسّنة؛ لخدمة الشّخصية الرّئيسة لمعرفة فترات عمرها، ومحدّد بشكل واسع ليطلّ ذلك الغول وهو العالم الافتراضي الّذي شكّل المرأة الافتراضيّة لذا فهو محدّد، ومن خلال زمن الشّخصيّة والّذي حدّد عمر الشّخصيّة الحقيقيّ أكّد لنا زمن السّرد. وهو على العموم حسب بدقّة ممّا جعل تجديد الزّمن يحسب لصالح النّص.
_ العديد من الجوانب المشرقة في هذا العمل تجعله ينبض بالحركة والحيويّة؛ إنّه الصّدق، وأسمى أنواع الصّدق في الإحساس.. هناك صورة حيّة مشعّة تستمدّ الحياة من هذا الصّدق ويستطيع المتلقّي أن يلمسها ويراها بل ينبض بها، ممّا يجعله يعايش تلك المرأة الافتراضيّة بمنتهى الانحياز وعدم الحياديّة، ويتعايش مع اضطرابها النّفسي في تضامن.. لذا فالنّصّ يحتاج إلى قارئ رومانسيّ يتفاعل مع النّصّ ويحيا داخل فصوله؛ ولكي يصل إلى هذا الالتحام لن يبذل أيّ مجهود فسوف يجد نفسه ولج إلى التّصوير والتحم به من دون أن يشعر.
وأشير هنا إلى رؤية أ. مشعل العبّادي بعد هذه الدّراسة الّتي أخذت منّي وقتًا بين التّشاؤم من الواقع وإسقاط المرض النّفسي على ملابساته ، فأجد أنّه له رؤية مشابهة لدراستي لكن وجهة نظره كانت أكثر من ناحية الحداثة في تكوين الرّواية.

About alzawraapaper

مدير الموقع