خطط التقشف تحاصر المسرح العراقي… والمسرحيون الشباب يهاجرون يائسين!

خطط التقشف تحاصر المسرح العراقي... والمسرحيون الشباب يهاجرون يائسين!

عمر الجفال

قدّم المخرج والممثّل المسرحيّ العراقيّ الشابّ علاء قحطان أكثر من عشرين عملاً مسرحيّاً بين تمثيل وإخراج على خشبة المسرح، وحصل إثرها على نحو 14 جائزة عراقيّة وعربيّة. إلّا أنّه ينظر إلى المستقبل في عام 2016 المقبل بحيرة وحزن، إذ لا موازنة لدى دائرة السينما والمسرح التابعة إلى وزارة الثقافة لإنتاج أعمال مسرحيّة جديدة، ممّا يعني أنّه لن يعمل على أيّ عرض مسرحيّ جديد في الفترة المقبلة.
ويشاطر تحرير الأسدي المخرج المسرحيّ الشابّ علاء قحطان الهمّ نفسه. فعلى الرغم من أنّه يحضّر لعمل مسرحيّ، كتابة وإخراجاً، إلّا أنّه يعرف مسبقاً أنّ أحداً لن ينتجه، ومن ثمّ لن يرى النور قريباً على خشبة المسرح.
ويمرّ العراق في أزمة اقتصاديّة حادّة إثر هبوط أسعار النفط إلى ما دون الـ50 دولاراً للبرميل الواحد منذ العام الماضي ليبلغ نحو 40 دولاراً في الأسابيع الماضية، ترافقها الكلفة المتزايدة للحرب على تنظيم “داعش” الذي يسيطر على مساحة نحو ثلث العراق.
إزاء ذلك، أدّت السياسات التقشفيّة التي اتّبعتها الحكومة العراقيّة في الإنفاق الماليّ منذ نهاية العام الماضي إلى تعطيل الكثير من المشاريع الاستثماريّة والخدماتيّة، ولاقت المشاريع الثقافيّة الضرر الأكبر من خطّة التقشّف، حيث ألغت الحكومة المراكز الثقافية في عدد من البلدان الأوربية.
يعاني المسرحيّون العراقيّون الشباب من وضع شائك يدعو إلى اليأس، وللخلاص منه ومن الوضع الأمنيّ القلق الذي يعيشه العراق، قرّر الكثيرون منهم الهجرة عبر طرق غير شرعيّة.
حمّل قحطان صوراً لزملائه المسرحيّين الذين فرّوا عبر البحر من تركيا إلى أوروبّا، وقال لـ”المونيتور” وهو يعرض أمامه هذه الصور: “ما الذي تبقّى أمام هؤلاء الشبّان ليفعلوه هنا في العراق؟”. وأضاف: “اليأس والخوف من القتل بسبب الوضع الأمني المنفلت أضيف إليهما إهمال دائرة السينما والمسرح ووزارة الثقافة والحكومة، هذا ما دفعهم إلى المخاطرة والهجرة عبر البحر”.
يرى قحطان أنّ المسرح هو أحد المنابر لمعالجة الواقع العراقيّ بواسطة الإبداع الفنّيّ، وهو أيضاً يسعى إلى أن يكون المسرح إحدى القنوات التي تساعد في الخلاص من العنف والطائفيّة. وعلى هذا الأساس، قدّم في منتصف شهر تشرين الأوّل الماضي في زيارة إلى تونس عرض “جلسة سريّة” في مهرجان أيّام قرطاج المسرحيّة في تونس، وهو عمل مسرحيّ يدين التطرّف الدينيّ ومحاولة السلطات القضاء على حريّات المجتمع.
قال قحطان في حديث إلى “المونيتور” إنّ “الفنّ والمسرح في كلّ مجتمعات العالم يساعد على إبعاد المجتمع عن التطرّف”، مستدركاً أنّه “في العراق لا أحد يهتمّ بهذه الأمور”.
إزاء ذلك، أشار قحطان إلى رفض دائرة السينما والمسرح العام الماضي إنتاج عمل مسرحيّ تحت عنوان “wc”، يتحدّث عن اللحظات الأولى التي تلت الغارة الجويّة الأولى التي حدثت في بغداد في عام 2003 أثناء الاحتلال الأميركي عندما هجر الناس بيوتهم، حسب قوله.
ولم يستطع قحطان الحصول على تمويل لعرض wc.
وفي العادة، لا تمنح الدائرة المعنيّة بالإنتاج المسرحيّ والسينمائيّ، أموالاً كبيرة لإنتاج العروض المسرحيّة، فعرض الأسدي المسرحيّ “المقهى” الذي يتحدّث عن واقع الشباب في العراق من وجهة نظر متعددة إزاء الحب والعنف والطائفية، والذي عُرض في بغداد في كانون الأول عام 2014 كلّف الدائرة نحو 3 آلاف دولار أميركيّ فحسب.
وعلى الرغم من يأس قحطان والأسدي من قلّة الإنتاج المسرحيّ في عام 2016، إلّا أنّ المتحدّث الرسميّ باسم دائرة السينما والمسرح طه رشيد قال لـ”المونيتور” إنّ “انتاج الأعمال المسرحيّة سيستمرّ”.
وردّ رشيد على تصريحي المسرحيّين الشابّين بالقول إنّ “كلامهما غير دقيق وهناك الحدّ الأدنى من الميزانيّة الماليّة لإنتاج الأعمال المسرحيّة”.
وأوضح رشيد أنّ “دائرة السينما والمسرح تتّبع سياسة تقشّفيّة جديدة تعمل على تفعيل الكوادر داخل دائرة السينما والمسرح من العاملين في الديكور والإضاءة، وعلى تخفيض أجور إنتاج الأعمال المسرحيّة”.
لكنّ رشيد الذي بدا متحمّساً وهو يشرح سياسة التقشّف، عاد ليؤكّد أنّه “منذ مطلع العام الجاريّ إلى الآن، لم تقدّم الحكومة ووزارة الثقافة أيّ تخصيصات ماليّة لدائرة السينما والمسرح”، لافتاً إلى أنّ “أوّل من أصيب بالتقشّف هي دائرة السينما والمسرح”.
بدوره، أكّد المتحدّث الرسميّ باسم وزارة الثقافة عمران العبيدي لـ”المونيتور” أنّ “خطط التقشّف أثّرت في وزارة الثقافة التي تعاني أصلاً من ميزانيّة شحيحة من موازنة الدولة العامّة”، لافتاً إلى أنّ “خطّة الوزارة تعتمد في شكل أساسيّ على الاستمرار في دفع المرتّبات التشغيليّة والاستمرار في إقامة المهرجانات الرئيسة”.
ولا يملك العبيدي أرقاماً دقيقة عن الموازنات التي ستخصّصها الوزارة إلى المؤسّسات الثقافيّة التابعة إلى الوزارة حتى الآن، إلّا أنّه أكّد أنّ “الإنتاج سيضعف بطبيعة الحال على الرغم من محاولتنا عدم حصول هذا الأمر”.
ووفقاً للعبيدي فإن الوزارة ستسمر بدعم المهرجانات الكبيرة مثل مهرجان المربد الشعري الذي يُقام في البصرة كل عام.
وتعتمد دائرة السينما والمسرح على تمويل نفسها ذاتيّاً من خلال التذاكر التي تبيعها في المسرحين الرئيسين العائدين إليها، وهما المسرح الوطنيّ ومنتدى المسرح الواقعين في العاصمة بغداد، إلّا أنّ وزارة الثقافة التي تركتها من دون تقديم أيّ مساعدة أساء إلى شكل العروض التي تقدّمها على خشبات مسارحها، فلكي تنتج الدائرة عروضاً مسرحيّة هادفة وجادّة، فإنّها تقوم بتأجير خشبات المسارح إلى فرق مسرحيّة شعبيّة تعتمد الإسفاف في معالجة قضايا المجتمع، وهي في غالبها عروض كوميديّة تعتمد على إضحاك المشاهدين بطرق بهلوانيّة وألفاظ سوقيّة في بعض الأحيان.
ووصف الأسدي في حديث إلى “المونيتور” هذه العروض التجاريّة بأنّها “تسيء إلى المسرح كثيراً… فهي تتفه القضايا الاجتماعيّة والسياسيّة، وتعتمد الإضحاك من أجل الإضحاك فحسب، في وقت يجب أن يكون للمسرح دور في تثقيف المجتمع وهو في مرحلة صعبة”.
لكن ما الطرق التي أمام الأسدي وقحطان لإنتاج مسرحيّاتهما؟ هل هناك شركات خاصّة قد تساهم في إنتاج الأعمال المسرحيّة بعدما ضاقت بهما المؤسّسات الحكوميّة؟ يجيب قحطان: “اليوم في زمن التقشف، ضاقت كلّ السبل… نحن في بلد لديه مشاكل كثيرة وكبيرة”.
وأضاف قحطان: “لا توجد في العراق ثقافة رعاية الأعمال الفنيّة من قبل الشركات الخاصّة. ولهذا تجد كل مخرج مسرحيّ جالس وينتظر المخلصّ الذي يأتي إليه ويساعده في الدعم”.
وأوضح يائساً: “الخيارات قليلة في خصوص الإنتاج غير الحكوميّ”، إلا أنه حتى هذه الخيارات لا تبدو جادّة، إذ يطرق قحطان أبواب الشركات الصناعية والاستثمارية من أجل الحصول على إنتاج إلا أنه لم يحصل حتّى إلا على وعود.
وفي هذه الحال، يبدو أن الواقعين الثقافي والفني سيعيشان في سبات طويل، وهو يعني أن عطالة كبيرة ستصيب هذه الأوساط، ما يدفع الكثير من العاملين بهما إما إلى الهجرة أو إلى ترك العمل الفني والثقافي والاتجاه إلى مهن أخرى، وهذا يعني أيضاً أن العراق سيفقد كوادر مهمّة تشكّل جزءاً حضرياً من نسيج مجتمعه.

About alzawraapaper

مدير الموقع