خصخصة الحرب.. المرتزقة و الحرب على الارهاب في سياسة اميركا الخارجية

خصخصة الحرب.. المرتزقة و الحرب على الارهاب في سياسة اميركا الخارجية

خصخصة الحرب.. المرتزقة و الحرب على الارهاب في سياسة اميركا الخارجية

القسم الاول

جيريمي كوزماروف

جيريمي كوزماروف

نشرَ موقع غلوبال ريسيرج دراسة مطولة كتبها جيريمي كوزماروف عن الحرب في العراق والتهافت الذي تركته عند مرتزقة الحرب بسبب سياسة الحرب عند الولايات المتحدة وتقدم الزوراء القسم الاول من هذه الدراسة.
ويبدأ جيريمي التقرير مقتبساً شعاراً للمتعاقدين “انا أقوم بهذا العمل من اجل اغتنام الفرصة وقتل أعداء وطني وكذلك من اجل الحصول على المركب الذي طالما حلمت بامتلاكه. وعندما احصل على الفرصة سأنثر الفضلات على كل شيء من حولي”. فيما قال ضابط استخبارات في افغانستان “انها حرب رائعة… والجميع يجني المال منها”.
وترك الانتفاخ في عضلة رأسه اليسرى شكلاً يشبه وشماً لنمر فيما ترك الانتفاخ في عضلة رأسه اليمنى شكلاً يشبه الحصادة، هكذا كان حال ولف ويس عازف الكيتار الكبير القادم من لوس انجلوس ولديه خبرة في الحياة العسكرية تمتد لاكثر من 15 عاماً ويجسد بشخصيته هذه النوع الجديد من المحاربين في القرن الحادي والعشرين. وكان ويس الذي اطلقت عليه مجلة رولينغ ستون اسم “المرتزق الحديدي”، قد استؤجر من قبل متعاقد خاص، لشركة كريسينت سكيوريتي، من اجل قيادة اسطول للشاحنات في العراق واعترف بقتله للعديد من العراقيين في اربع مناسبات لاطلاق النار. وكان فريقه، وولفورينز، الذي كان يعرف باستعراضه للقوة بشكل استفزازي، قد انجرف بالشعار: “اضرب عدوك واطرحه ارضاً وتخلص من جميع الشر بمساعدة الله، والقوة والشرف التي يتمتع بها جميع من يحمل صفة المحارب”. وفي تشرين الثاني 2004، وفي طريقه الى مطار بغداد الدولي، تعرضت سيارته الى كمين من القوات المسلحة الاميركية التي ظنته بالخطأ احد العناصر الارهابية المسلحة. واطلقوا عليه النار واصابوه برأسه وقتل في الحال. وكان قد اخبر مجلة رولينغ ستون بأن “الحرب كانت واحدة من الاشياء القلائل في العالم التي استطيع القيام بها بشكل جيد… والعديد من الناس يطلقون علينا بالجيوش الخاصة – وهذا بالتحديد ما نحن عليه. وهذه ليست بالشركة الامنية الخاصة. ولكنها قوات شبه عسكرية”.وفي الوقت الذي كان فيه ويس واحداً من 48 الف جندي مكلف اميركي يعمل في العراق ينتمون الى اكثر من 170 شركة اميركية عسكرية خاصة، مع وجود 30 الف الى 100 الف يخدمون في افغانستان خلال الحرب الى جانب العديد ممن يقومون بمهمات وضيعة او حقيرة مثل الطبخ والتنظيف من اجل الحصول على مدفوعات مالية على الهامش. وعلى الرغم من ان البنتاغون يدعي بأنه لا يحتفظ بسجلات حول الوفيات التي تحدث بين الجنود المرتزقة، الا ان اكثر من 1000 مرتزق يخمن انه قتل في العراق بالاضافة الى 2500 آخرين قتلوا في افغانستان، بمن فيهم ثمانية كانوا يعملون مع المخابرات المركزية الاميركية (سي آي أي)، مع الآلاف من الذين جرحوا. وكانت معاهدة 1989 التي اصدرتها الأمم المتحدة التي رفضت الولايات المتحدة التوقيع عليها، قد منعت تجنيد وتدريب واستخدام وتمويل المرتزقة، او المقاتلين الذين يملكون دوافع عدائية من اجل الحصول على المكاسب الخاصة، وتجنيدهم مع الشركات العسكرية على الارض التي يلعبون فيها دوراً قتالياً. وتقدم هذه المقالة تفاصيل عن دور الشركات العسكرية في حرب اميركا الطويلة في العراق في ضوء استعمال الولايات المتحدة للمرتزقة على مدى قرن من الزمن دونها التأريخ وكذلك القوات السرية عبر جميع انحاء العالم. وتظهر الطرق الملتوية والمتعددة التي ينتهجها مرتزقة الحروب كوسيلة لاخفاء التدخل العسكري عن الرأي العام. ونفذت ادارة بوش هذه الاساليب الى ابعد المستويات، وخاصة في تمويل المنظمات التي تفيد من الحرب ولذلك تدين لهذه الشركات بالبقاء والاستمرار في الاعمال. وكان نعومي كلين قد علق بأن العراق كان اكثر من كونه احتلالاً فاشلاً، وكان “تجربة راديكالية في ضوابط وتعليمات الشركات”. إذ ان ادارة بوش التي كانت تدار من قبل افكار وايديولوجيات السوق الحر الراديكالي وضعت اولوية على تحرير الاستقطاعات الضريبية على الشركات وخصخصة قطاع الصناعة الذي تديره الدولة في العراق، والذي كان سيكون انموذجاً براقاً لصالح الرأسمالية التحررية الجديدة. وبعد سقوط حكومة صدام، نظمت شركة بوز-آلين هاميلتون، التي تعد واحدة من اهم الشركات الاستشارية في واشنطن، مؤتمراً دعت فيه لاعادة كتابة قطاع الاعمال العراقي وقوانين الملكية والعقارات والتجارة بطرق تفضي الى الاستثمار الأجنبي. ومزقت ادارة بوش في النهاية نظام الحكم المركزي العراقي، والاقتصاد الذي تديره الدولة من دون بناء اي نظام جديد يستبدله في الوقت الذي اشعلت فيه واستفزت الحرب الاهلية ووضعت نظاماً سياسياً يعمق الانقسامات العرقية والدينية.ويعتقد أحد كبار المهندسين للحرب في العراق ايريك برنس، مؤسس شركة بلاك ووتر، بأن خصخصة الحرب يمكن ان تحقق كفاءة عسكرية اكبر من السابق. وقال برنس في لقاء مع احد الصحفيين “بأننا نحاول ان نعمل شيء من اجل جهاز الامن الوطني مثلما ما فعله النظام السابق. إذ قاموا بالعديد من الخدمات المشابهة، وافضل واسرع وارخص منها”. وعند تعيينه كوزير للدفاع، قرر دونالد رامسفيلد التقليل الروتين التعقيدي للبنتاغون وعمل ثورة في القوات المسلحة الاميركية من خلال الانتقال نحو اسلحة قتالية خفيفة ومرنة وتسخير قوة القطاع الخاص في جبهات متعددة. وكتب في مجلة الشؤون الخارجية بأن “علينا ان نطور من مسألة اشراك الشركات: وهو الامر الذي سيشجع الناس على ان يكونوا سباقين، وليسوا من اصحاب ردود الافعال، ومن اجل التصرف بشكل اقل روتيناً واكثر شبهاً بأصحاب رؤوس الاموال”. وكانت هذه العلامات موجودة في صف واحد مع الفلسفة التي كانت شائعة ايام دونالد رامسفيلد التي كانت تنادي بتنويع مصادر العمل الحكومي والتحكم بالاقتصاد المحلي. ورحبوا بالمتعاقدين مع وزارة الدفاع والشركات الخاصة التي كانت جاهزة لتدفع المال النقدي في الفرصة التي توفرها الحروب الدولية على الارهاب.
واعطت ادارة الرئيس السابق بوش اولوية لاقتصاد الحرب التي سيمول من خلالها المتعاقدين مع وزارة الدفاع وباقي الشركات الانتخابات التشريعية من اجل التأكد من تكاثر الحروب بشكل مستمر. وعلى الرغم من الاساليب الدعائية المتطورة في تسويق التدخلات العسكرية، تتبلور المواقف المناهضة للحرب، وخاصة عندما تطول الحروب اكثر من اللازم وتصبح المطالبات الرسمية مجرد نداءات جوفاء. وولدت الحركات المناهضة للحروب التي ظهرت في الستينيات من القرن الماضي ثقافة عميقة من الشكوك التي تشوب الروح العسكرية، والتي عرفت “بمتلازمة فيتنام”، والتي جعلت من مسألة اعادة احياء مسودة القانون خياراً سياسياً يبعث على المخاطرة حتى وسط المناخ الوطني الشوفيني الذي تلا هجمات 11 ايلول. وكان دعم ادارة بوش للمرتزقة احد الاسلحة الحساسة والفعالة في ترسانة اسلحته التي صممت من اجل ابعاد الحرب عن الراي العام الذي تضمن الاعتماد الوثيق على القوة الجوية ومن ثم الهجمات بطائرات من دون طيار وعمليات القوات الخاصة ووحدات تدريب العملاء، ومراقبة وسائل الاعلام من خلال دمج المراسلين الصحفيين مع القوات المسلحة. وبعد تخويل الهجمات على افغانستان اخبر جورج بوش الاميركان بتنفيذ الاعمال كالمعتاد “والذهاب للتسوق بشكل طبيعي.” وكانت الاشارة هنا تتلخص في ان الرأي العام لن يطالب بالتضحيات التي حدثت في الحروب السابقة. وكتب مايكل اغناتيف في كتابه الحرب الافتراضية: كوسوفو وما وراءها بأن “الرأي العام الاميركي وقواته المسلحة قدموا من حرب فيتنام وهم غير مستعدين لاراقة الدماء في حروب ليس لها اي ارتباط بالمصالح الوطنية الرئيسة.
فالهزيمة في فيتنام اوصلت القرار الى النهاية ووسعت نتيجة الحرب من الفجوة بين الثقافتين المدنية والعسكرية. وحررت الذكورية في المجتمع نفسها ببطأ من الفكر العسكري. وفي مجتمع بعيد جداً عن ثقافة الحرب، يستخدم السياسيون لغة خطاب من اجل تحريك سكانهم دعماً للحياة العسكرية التي اصبحت امراً غير حقيقي وغير مخلص. ولغة الوطنية بدت تفقد مقبوليتها بين الناس”. وكما هو الحال مع رونالد ريغان، حاول جورج بوش من اعادة احياء موقف الانتصار تجاه خصائص الحرب لحقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية (وهو ما اطلق عليه المؤرخ توم انغلهارت “ثقافة الانتصار”) ولكن من دون جدوى. إذ تحطمت جهوده وحرقت بعد ان ادلى بخطبة على ظهر حاملة الطائرات ابراهام لينكولن مع لافتة كبيرة علقت وراءه “انتهاء المهمة واكتمالها” قبل اسابيع قليلة من ظهور العمليات المسلحة ضد الاحتلال الاميركي وانحدر العراق الى حرب طائفية دموية.وكان المخطط الستراتيجي للاميركان في حربهم على الارهاب يعود الى الحرب السرية في 1959 – 1975 في لاوس، حيث عملت المخابرات المركزية مع المئات من المتعاقدين المدنيين الذين قاموا بنصب طائرات استطلاع، وادارة القواعد على الارض وشغلوا محطات الرادار بالملابس المدنية. وكان النموذج الآخر برنامج نيكسون الذي يقوم بتحويل حمل واعباء القتال للجنود الفيتناميين المدربين من قبل غرين بيريتس ومواطني بلد من العالم الثالث الذين جندوا من عشائر الاقليات وحلفاء الولايات المتحدة في كوريا الجنوبية والفلبين وتايوان وتايلند. وجلبت شركة فينيل التي تقع في لوس انجلوس وهي شركة خاصة وتمتلك استثمارات عديدة في قطاع الدفاع، وتعاقدت من اجل ادارة العمليات السوداء ضد “فيتكونغ” كجزء من عمليات فينيكس. ووصف مسؤول في البنتاغون شركة فينيل، والتي فازت بعد ذلك بعقد بقيمة 48 مليون دولار من اجل تدريب القوات المسلحة في العراق، بأنها “جيشنا الصغير من المرتزقة”.

About alzawraapaper

مدير الموقع