خبير: إهانة الآخرين والتنكيل بهم شكل من أشكال الصراع الطبقي …باحثة اجتماعية: العدوانية لدى التلاميذ أساسها العنف المجتمعي وسياسة القمع

الزوراء/ مهند سري:
كنت واحداً من الملايين الذين شاهدوا القمع الذي تعرض اليه حملة الشهادات العليا، وهم يمارسون حقاً دستورياً في التظاهر، والمطالبة بوظيفة.
التظاهرة، لم تتضمن سوى هتافات مؤدبة تنادي بالإلتفات الى هذه الشريحة التي لم تجد لها فرصة عمل، برغم حصولها على أعلى الشهادات، كما كانت اللافتات التي رفعتها عبارة عن مناشدات للحكومة بالاستجابة لطلباتها المشروعة.
الرد كان في غاية التنمر- وهذا المصطلح الرديف للعنف والبطش، لا أعرف أصله وفصله، ولعله جاء كناية عن الشراسة التي يتصف بها أحد المتسيدين في مملكة الغابة، وهو النمر- حين أقدمت الأجهزة الأمنية بتفريق المتظاهرين السلميين بخراطيم المياه الساخنة، والاعتداء عليهم بالضرب، واعتقال بعضهم.
السياسيون استثمروا ما حصل لأغراض دعائية، وبعض من انتقد اسلوب الحكومة في التعامل مع المتظاهرين، كان له صولات وجولات في تظاهرات سابقة، تحت عنوان « التنمر».
ربما يستدرك بعضهم علينا، ونحن نطلق صفة « التنمر»، هنا، فيما المتعارف عليه حصر هذه الصفة بصغار السن، وتحديداً تلاميذ المدارس.
لكن، كما يتعلم الصغار من الكبار القراءة والكتابة، يتعلمون منهم العنف وفرض إرادة البطش.
الرغبة في الانتقام
أسلوب دفاعي يطرحه ( ياسر عبد الكريم)- موظف – لمعنى التنمر لدى الكبار، فهو دعوة الى إنصاف الذات التي تتعرض الى الغبن من رؤسائه في العمل.
يقول عبد الكريم : أتمنى أن أتولى إحدى المسؤوليات الرقابية في الدولة، وأحلم أن أكون مفتشاً عاماً في وزارتي، كي أنتقم من رؤسائي الذين حرموني من أبسط حقوقي، ويعاملونني بإزدراء.
ويضيف « ليس لدي تطلع الى المنصب، سوى أني أرغب في أذية من اذاني، برغم أني لم أسكت، وأحاول الرد عليهم بالوسائل المتاحة، لكن ما ينقصني أنني لا أملك سلطة القرار، ومتى حصلت عليها فإني سأثأر لنفسي».
وتابع « التنمر ليس عدواناً دائماً، كما يراه بعضهم، وإنما هو رد على الاعتداء، وهذا ما أريده».
وفي هذا السياق، يعلّق الدكتور النفساني ( أحمد القره غولي)، قائلاً : أن ممارسة أعمال التنمر قد تكون وسيلة دفاعية للتعامل مع المشاعر السلبية التي يجدها من الآخرين, كما في حالة السيد ( ياسر عبد الكريم)، فلربما يلجأ الى «التنمر»، لإحساسه بأنه ضحية الظلم والانتقاص منه.
العنف المجتمعي
ترى الباحثة الاجتماعية ( أحلام القيسي)، أن السلوك العدواني الذي نجده عند بعض التلاميذ أو الطلاب، إنما هو محاكاة لعنف أكبر تجده في المجتمع، ولاشك أن الأسرة بصفتها اللبنة الأولى في هذا المجتمع، تعكس سلوكيات الأبناء في المدرسة والشارع، فكلما كانت الأسرة منسجمة، كلما كان الأبناء متوافقين مع أقرانهم، والعكس بالعكس، كلما كانت هناك مشاكل وخلافات واضطرابات أسرية، وضرب وإهانات، كان الأبناء عدوانيين مع الآخرين.
وتضيف أن الواقع العراقي المشبع بالعنف، ولغة التهديد، وإنفلات السلاح، مقابل ضعف سلطة القانون، ولّد غريزة حب السيطرة، وفرض النفوذ، بالقوة، لدى التلاميذ، من خلال ممارسات فردية أو جماعية، بطريقة يراد بها تقليد قوى مهيمنة، أو تشكيل مناطق تحكم، عبر وضع إجراءات رادعة ضد السلوكيات المتزنة، سواء بافتعال الصراعات، او الاعتداء بالضرب، أو توجيه السباب والتهم.
وتتابع أن العنف المدرسي، الذي يتعامل به المعلم، والإدارة، تخلق حالة من التمرد لدى التلاميذ، ولاسيما أولئك الذين يتعرضون الى الضرب والعقوبات من أساتذتهم، ما يدفعهم الى اتخاذ موقف عدائي من زملائهم كرد فعل على الإهانات التي تنهال عليهم، بسبب أو من دون سبب، لذا فإن العنف يولد عنفاً، وعلى المدرسة أن تتعامل بأسلوب تربوي مع تلامذتها، وتتعاون مع أسرة التلميذ في تقويم سلوكه، بعيداً عن الضرب والإهانة ومحو الشخصية.
صراع طبقي
الخبير الاقتصادي ( أحمد الجبوري)، ينظر الى « التنمر» من زاوية اقتصادية، حيث يؤكد أن الدافع من العنف المتصاعد لدى جيل المدارس، هو اقتصادي في المقام الأول، لافتاً الى وجود حالة تنافر بين تلامذة مدارس الحكومة، والمدارس الأهلية، ولطالما حصلت مناوشات ومهاوشات سببها تعليقات ذات نفس برجوازي، تقابلها طعون واتهامات لمصدر الثراء عند الطرف المقابل.
وأضاف أن حالة العنف تأخذ مديات عديدة، تصب جميعها في ردة الفعل من التمايز الاقتصادي، وغياب الطبقة الوسطى في ظل المؤشر البياني المنحدر، بين غنى لاحد له، وفقر تحت أدنى خط.
وأشار الى أن تضارب المظاهر، واختلاف البيئات، يؤجج في نفوس التلاميذ، صراعاً طبقياً، يعتمد على إبراز مواطن القوة لإثبات الوجود، سواء بالمال أو باليد، وهي بلا شك خطر ينمو ويكبر إذا لم نتداركه من الآن، حكومة ومؤسسات.

About alzawraapaper

مدير الموقع