حول التناص الأدبي

د. زهير عبد الحميد
التناص الأدبي :
هو تداخل نصوص أدبية مختارة قديمة أو حديثة شعرا أو نثرا مع نص القصيدة الاصلي بحيث تكون منسجمة وموظفة ودالة قدر الإمكان على الفكرة التي يطرحها الشاعر. وردت كلمة التناص (لغــــة) في لسان العرب بمعنى الاتصال، كما وردت في معجم تاج العروس بمعنى الانقباض و الازدحام،و هو معنى يقترب من التناص بمفهومه الحديث الذي يُشير إلى تداخل النصوص فيما بينها…
فالتناص هو ترجمة للمصطلح الفرنسي Intertexte وتعود في أصولها إلى الفعل اللاتيني textere و يعني نسج أو حبك، وبذلك يصبح معناها النصي، التناص، تعالق النصوص، التناصية (intertextualité )
أما اصطلاحـــا فإن التناص ميزة نصية أساسية تأخذ النص من تفرده إلى علاقات وتداخلات مع نصوص أخرى، حيث لا يخلو نص من نصوص تدخل في نسيجه سابقة له أو معايشة (في نفس الزمان).
إذن مفهوم التناص يدل على وجود نص أصلي في مجال الأدب أو النقد على علاقة بنصوص أخرى، وأن هذه النصوص قد مارست تأثيرا مباشرا أو غير مباشر على النص الأصلي في وقت ما .
بداية مصطلح التناص: ظهر مصطلح التناص عند (جوليا كريسيفا) عام 1966م، إلاّ أنّه يرجع إلى أستاذها الروسي (ميخائيل باختين)، وإن لم يذكر هذا المصطلح صراحة واكتفى (بتعددية الأصوات)، و(الحوارية)، وحللها في كتابه فلسفة اللغة ، وكتاباته عن الروائي الروسي (دستويفسكي)، وبعد أن تبعته جوليا وأجرت استعمالات إجرائية وتطبيقية للتناص في دراستها (ثورة اللغة الشعرية)، عرّفت فيها التناص بأنه (التفاعل النصي في نص بعينه) ثم التقى حول هذا المصطلح عدد كبير من النقاد الغربيين وتوالت الدراسات حوله، وتوسع الباحثون في تناوله ، وكلها لا تخرج عن هذا الأصل، وقد أضاف الناقد الفرنسي (جيرار جنيت)لذلك أن حدد أصنافا للتناص .
وبعد ذلك اتسع مفهوم التناص ، وأصبح بمثابة ظاهرية نقدية جديدة وجديرة بالدراسة والاهتمام، وشاعت في الأدب الغربي، ولاحقا انتقل هذا الاهتمام بتقنية التناص إلى الأدب العربي مع جملة ما انتقل إلينا من ظواهر أدبية ونقدية غربية ضمن الاحتكاك الثقافي ، إضافة إلى الترسبات التراثية لأصلية.
أنواع التناص :
تتجلّى أنواع التناص في : الاجترار، الامتصاص والتحوير.
أما الاجترار :
فهو تكرار للنص الغائب من دون تغيير(ما كان يُسمى بـ ال..)، أي أن الشاعر يكتفي بإعادة النص مثلما هو أو بإجراء تعديل طفيف لا يمس جوهره وعادة يتم على مستوى النص الديني لما يحظى به من تقديس و احترام، ليأتي في الدرجة الثانية النص الأسطوري، مثل نص عبد الوهاب البياتي:
«…و صياح ديك فر من قفص، وقديس صغير
«ما حك جلدك مثل ظفرك»
و الطريق إلى الجحيم
من حبة الفردوس أقرب والذباب
و الحصادون المتعبون
زرعوا ولم نأكل
ونزرع صاغرين فيأكلون…»
وأما الامتصاص :
وهو شكل أعلى وأكثر قدرة على خلق شعرية في النص الجديد حيث يتعامل الشاعر مع النص المتناص تعاملا حركيا تحويليا لا ينفي الأصل، بل يسهم في استمراره جوهرا قابلا للتجديد أي أن الامتصاص لا يجمد النص الغائب و لا ينقله بل يعيد صياغته من جديد وفق متطلبات فكرية وتاريخية وجمالية، ونجد هذا في قول الشاعر البياتي من قصيدته «الموت في الحب» في قوله:
أيتها العذراء
هزي بجذع النخلة الفرعاء
يتساقط الأشياء
تتفجر الشموس والأقمار…
حيث يمتص هذا النص الآية القرآنية: «وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا» (مريم:25).
أما التحوير :
و يعتبر هذا النوع من أنواع التناص أعلى مرحلة من مراحل النص الغائب، فالشاعر يقوم بتغيير للنص المأخوذ (المُتناص) بأن يُحدث عليه تغييرا عن طريق القلب أو التحوير إيمانا منه بعدم محدودية الإبداع، ومحاولة لكسر الجمود الذي يغلق الأشكال والكتابة و لإثارة الدهشة والتساؤلات عند القارئ الذي يعمل على تأويل هذا القلب أو التحويل عند الإجابة عن سؤاله لماذا غيّر الشاعر هذا النص؟ مما يدفع الشاعر وهو يصيغ نصه صياغة جديدة وخاصة عندما يتعلق الأمر بنص ديني والخوض في المسكوت عنه لضرورة أدبية حيث الحوار أو القلب أو التحوير… هو الصيغة الأكثر شيوعا في التناص، نمثل لذلك من خلال قصيدة الحيدري بعنوان «حوار عبر الأبعاد الثلاثة» في قوله :
«العدل أساس الملك»
ماذا………..؟
العدل أساس الملك
صه……….لا تحك
كذب…كذب…كذب
الملك أساس العدل
فالتناص في أحد مستوياته التي تسبب الغموض يقترب من مفهوم الجدلية الفكرية، فكل النصوص الأدبية محاكة من نصوص أدبية أخرى ليس بالمعنى الصرفي، بل بمعنى تشغيل هذه النصوص في مستوياتها الأشد تجدرا والذي يعني أن كل كلمة، أو عبارة ، أو مقطع هو إعادة تشغيل أخرى سبقت العمل الفردي أو أحاطت به .

About alzawraapaper

مدير الموقع