حوار-جمال الشرقي
من ذاكرة الإذاعة والتلفزيون
بدايتي كانت مع فرقة مسرح الجماهير نهاية 1973
الفنان جواد محسن لـ”الزوراء”: مريت بديار الولف اول اغنية سجلتها وعرضت في ركن الهواة

•في ثمانينيات القرن الماضي عرفت جواد محسن كمطرب شاب متعاون معنا في برامجنا الإذاعية ولهذا كنا نستضيفه في الكثير من برامجنا ومنها البرامج التي تذاع على الهواء مباشرة، وليس فقط هو بل الكثير منهم مثل عبد فلك وكريم حسين وغيرهم، ففي العراق وعلى مدى السبعينيات والثمانينيات برز الكثير من المطربين الشباب الذي كانت لهم بصماتهم المهمة في عالم الاغنية العراقية كان من بينهم الفنان المجتهد جواد محسن كأحد المطربين الذين واكبوا المشهد الغنائي العراقي الملتزم اذ شق طريقه بنجاح وحقق شهرة اهلته ان يكون مطربا يقف الى جانب المطربين الرواد، جواد محسن من المطربين العراقيين القلائل الذين يصفهم الإعلام بأنهم ملتزمون، ولم يسبحوا مع التيار بل وقفوا ضده، لم تأخذه الموجات الغنائية ولم يضعف امام إغراءات الشهرة وظل يغني ولم ينقطع لكن بهدوء وتأنٍ ، ليرسم له خطا مغايرا للمألوف محافظا على ما لديه من قيمة فنية في الغناء ورسالته، في أروقة شبكة الاعلام العراقي .

حوار جمال الشرقي

-الزوراء ترحب بالفنان جواد محسن ضيفا عليها، لتقف على ابرز محطاته الفنية منذ بداية مشواره الفني.
-شكرا لكم متمنيا الاجابة عما تريدون رغم ان اللقاء مصادفة .-البطاقة الشخصية ؟
-اسمي الكامل جواد محسن خلف واسمي الفني هو جواد محسن
مطرب وشاعر اصدرت ديوان شعر بعنوان رسائل ليست للاخرين وقدم لديواني الاستاذ الراحل عادل الهاشمي الذي سبق له ان قدمني في امسية التي غنيت فيها من غير ليه في مركز الفنون عمري الفني من عام 1973 في مسرح الجماهير الى وقنا الحاضر .
-حدثنا عن نشأتك والعائلة التي نشات فيها وهل كان لها دورا في رسم مسيرتك الفنية ؟
-نشات في بيئة شعبية كانت تنظر الى الغناء على انه فعل معيب ومع كل تلك الاجواء كنت احاول الخروج عن المالوف وذلك لاحساسي ساكون مشروعا لفنان قادم فوجدت معارضة شديدة من الاهل ولكن بعد انتمائي الى معهد الدراسات النغمية تضاءلت تلك الضغوط واصبحوا امام الامر الواقع وساعدني في ذلك انهم بدئوا يسمعون عني اخبارا جيدة فاطانوا الى اني ساكون فنانا ملتزما وهكذا استمر قبولي اجتماعيا اما عن عائلتي فقد عشت في عائلة متوسطة الحال وكانت تشجعني بعد ذلك رغم انها كانت تعارض هذا النهج عندي فكان اقرب واحد لي هو احد اقاربي قارئ قران معروف اسمه عبد الزهرة العماري فتاثرت به كصوت جبار وليس كقراءة قران كل تلك الاجواء دفعتني اناطور نفسي في الغناء فيما بعد .
-حدثنا عن بداياتك الاولى ؟
-حقيقة بداياتي لم تكن بالموسيقى كنت اشتغل على ناحية اخرى هي الرسم الى جانب القراءة واتذكر اني كنت في مدرسة اهلية كان الاستاذ علي النجار هو مدرس الرسم وكان رجلا متميزا جدا وهو من رشحني للرسم و بدأت ارسم واتذكر انني شاركت وانا صغير في برنامج شاشة الصغار الذي كان يقدمه الدكتور جاسم الصافي وسامي الربيعي ومنذ ذلك الوقت حدث تغيير مهم في شخصيتي لكن في احد الايام تعرفت على طالب الربيعي وكان مدير مسرح الجماهير عرض على ان انتمي الى فرقه مسرح الجماهير وكانت قريبة الى بيتنا وكان هذا الكلام نهاية 1973 وعندما قدمت الى الفرقة تم قبولي وفي تلك الفترة حدثت حفلات او اقيمت حفلات كثيرة جماهيرية عندها طرح علي الاستاذ طالب ان اقدم مجموعة من الاغاني فغنيت اغاني وكان المرحوم نجم الربيعي يعزف لي على الة البنكوز فقدمت حفلات كثيرة على النادي و في مراكز الشباب وفي مناطق مختلفة وعندها بدأ الجمهور يتعرف علي كمطرب وليس كممثل هذه كانت البداية الحقيقية بعد ذلك قدمت الى برنامج الهواة الذي كان يقدمه كنعان وصفي و كنعان وصفي هو مغني بالاساس مغني وموسيقى كبير وفي تلك الفترة ايضا قدمت الى ركن الهواة وقدمت مجموعة اعمال مباشرة تمت الموافقة عليها وفي اول حلقة من برنامج ركن الهواة سجلت اغنية لفاضل عواد مريت بديار الولف لن ولفي غايب ومن المفارقات الكبرى انه فيما بعد صار فاضل عواد من اقرب اصدقائي، ومن فاضل عواد ايضا اكتشفت عالم اسمه عالم التصوف وكنت اعتقد ان هذا العالم مختلف عن عالم الفنان لان للفنان رؤية اخرى ولكنني فيما بعد اكتشفت ان التصوف هو صلب الفن لان الفنان الحقيقي هو متصوف كبير والى الان اتذكر كلمة مصطفى محمود عندما قال ان مشكلة المتصوف انه فنان ورجل دين وهذه الثنائية تتشكل لدى الفنان بطريقة لا تتشكل مع اي شخصية اخرى .
-كيف تقيم المراحل المهمة في حياتك الفنية ؟
-انا بصراحة اعتبر مرحلة وجودي في معهد الدراسات النغمية هي اهم مراحل حياتي الفنية اذ دخلته بعد انهائي مرحلة المتوسطة وفي الاختبار وجدت امامي اسما لامعة في الوسط الادبي والفني فكان مثلا مدير المعهد هو الشاعر الراحل عبد الرزاق عبد الواحد وكان الاساتذة يجلسون في الاختبار ومنهم روحي الخماش وحميد البصري والراحل شعوبي ابراهيم وعلي الامام وعباس جميل وبوجود هذه الاسما سيكون القبول صعبا عندها شعرت ربما ان فرصتي في النجاح ضئيلة وعندما طلبوا مني سماع شيء قدمت لهم اغنية عيناك غابتا نخيل ساعة السحر وكانت للسياب عندها شعرت ان الراحل عبد الرزاق ارتاح كثيرا للاغنية وبعد استمراري في الغناء شعر الجميع انني امتلك طبقة صوتية وقدرة معينة فتم قبولي في المعهد وبعد قبولي خصصوا لي الة الجوزة ونظرا لقصر اصابعي كنت اشعر انني غير قريب منها وبقيت هكذا انتظر الفرصة للحصول على دروس اخرى وفعلا انتقلت الى مرحلة اخرى فاخذت دروسا من الاستاذ علي الامام واستمر عملي في معهد النغمي بعدها حصلت فرصة للتقديم الى فرقة الانشاد العراقية وكانت مرحلة تاسيسية مهمة في حياتي .
-ومن تجد من الفناني اقرب الى ذائقتك ؟
-اقربهم هو الفنان العربي الراحل عبد الحليم حافظ والسبب هو كونه امتدادا لعبد الوهاب ولهذا تاثرت كثيرا به رغم ان بيئتي شعبية لكني كنت اشعر بنوع من التسامي ومحبتي الكبيرة لهذا اللون في فترة شبابي ولهذا عندما كنت احاول تقليد عبد الحليم استفدت من الموسيقى لعمار الشريعي التي عملها في وقتها كموسيقى فقط لاغاني عمار الشريعي فأحضرت مسجلين كنت اسجل صوتي باحدها والاخر اضيف له الموسيقى من المسجل الثاني أي حاولت ان اعمل توليفة للغاني واستطعت ان اغني عددا كبيرا من الاغاني لعبد الحليم وفي فترة وجودي في فرقة الانشاد العراقية اغتنمت تلك الفرصة ووجود الاستوديو والاجهزة فغنيت اغنية بحلم بيك ياحبيبي انا وصورتها ايضا وكانت اول اغنية لي وتم عرضها في التلفزيون فنجحت كثيرا وقد عرفت من خلالها وقد اديتها بنجاح الى حد ان الناقد الموسيقي عادل الهاشمي كتب مقالة كاملة عن ادائي لهذه الاغنية .
-وهل اديت او لحنت لشعراء عراقيين كبار ؟
-نعم كانت تربطني علاقة طيبة بالشاعر عبد الوهاب البياتي واخرين فلحنت كثيرا منهم واتذكر ان الشاعر الفلسطيني محمود درويش بعد وفاته اقامت جريدة الصباح امسية عن الشاعر محمود درويش فشاركت بها وقدمت مجموعة من الاعمال واستطعت ان اصل الى مشارف تلك اللغة واجسدها موسيقيا وصوتيا وبهذه المناسبة اتذكر انني غنيت للشاعرة العراقية دنيا ميخائيل الشاعرة المغتربة في امريكا التي شكلنا انا وعدد من الشعرا اماسي شعرية غنائية .
-وكيف تنظر الى الاغنية السبعينية؟
-الاغنية السبعينية كانت مهيمنة جدا باعتبارها مثلت ما يشبه الاغنية البغدادية وكانت نسبيا متاثرة بالاغنية المصرية رغم الروح العراقية المقامية فحينما حدث التحول اليها استلهمت البيئة الريفية وفي الفترة التي حدثت فيها الهجرة الريفية الى المدينة وخاصة من الجنوب الى بغداد شكلت ملامح مختلفة في الاغنية العراقية فظهر النموذج الجديد الذي يجمع بين الاغنية البغدادية والاغنية الريفية وهذا التطور كان اساسيا ومهما اعطى اكثر من بقية الاوقات الملامح العراقية الكاملة للشخصية العراقية أي اعطت روح البيئة العراقية .
-طيب في ثمانينيات القرن الماضي حدثت الحرب مع ايران فهل كان بامكان الاغنية السبعينية ان تستمر ام انها اثرت فيها ؟
-اعتقد ان الاغنية الثمانينية لم تتنكر للاغنية السبعينية ولكن حدث انعطاف اخر لكنه انعطافا في تقنية الادا وفي بنية اللحن اما الجوهر فقد بقي هو نفسه لذلك برايي لا توجد قطيعة بين الاغنية السبعينية والثمانينية بل كان امتدادا واعيا ولكن بملامح ذاتية اكثر بدليل ان احد اغنياتي عندما اديتها قال لي الصحفي الراحل امير الحلو هل ان هذه الاغنية من الحان طالب القرغولي وهذا دليل على اننا في الثمانينيات ما زلنا متاثرين بالاغنية السبعينية ولكن اديناه بطريقة اسرع واكثر حداثة .
-وكيف كانت البدايات قبل الاغاني؟
-اصلا بداياتي القراءة لان بدايتي كانت مع فرقة مسرح الجماهير التي كان يشرف عليها الاستاذ خضير الساري وطالب الربيعي وكان فرقة مسرحية واتذكر جيدا ان احدى المسرحيات التي تمرنا عليها اسمها جان جانيت لسارتر وسارتر قادني الى البير كامو ثم الى كولن ويلسن فكانت بداياتي الحقيقية مع النص واقصد انه لا يوجد في تفكيري الموسيقي غياب عن الاغنية وكان النص هو جزء مهم من الغناء لذلك كانت قراتي الوسعة عمقت عندي الرؤيا الغنائية ولهذا كانت نصوصي رصينة ولا توجد فيها زوائد وعندما تسمعها تشعر انها جز من النص الغنائي .
-ما الوقفات الايجابية في مسيرة جواد محسن ؟
-لكل فنان مواقف منها ايجابية وربما منها سلبية اما انا فاجد ان خياراتي كانت صائبة ولا توجد عندي اغنية سيئة وحتى الاغاني السريعة التي حاولت فيها ان اقترب من الموجة السريعة لم تكن مبتذلة وهذا يعدّ انجازا مهما اما عناصر الاخفاق فهي ربما لاني لم اتواصل بشكل يومي مع نبض الجمهور أي بقيت محافظا على شكل معين وهذا الشكل حرصت ان لا اغيره في الوقت الذي كان فيه متغيرا اجتماعيا ومتغير ذوقي يلح على الفنان ان يستنبط اشكالا جديدة من الغنا ء وانا كنت اعتقد ان الوصول الى هذه المنطقة لو عملت به لاضرني كثيرا نعم ربما احقق شهرة لكن بالنتيجة اخفق في تقديم ذلك العمل .
-وهل تجد ان مساحتك قد اخذتها وفق ما التزمت به واللون الذي قدمته ؟
-انا اعتقد انني كنت موفقا فيما قدمت الى حد اشعر انني لا يساورني الندم وعندما لا يساور الندم الفنان فانه مازال على الطريق الصحيح .
-وماذا عن المؤسسات الفنية ودورها في قيادة العمل الفني انذاك؟
-الحقيقة يفترض ان تاخذ المؤسسات الفنية دورها في قيادة العمل الفني والفنان وهي التي تسوق نتاجه فنحن وللاسف لا توجد لدينا مؤسسات لذلك كنت انا وجيلي وكثير من الفنانين بقينا نراوح في منطقة واحدة فنحن لا نستطيع ان نتحرك ضمن نطاق افكارنا .
-هل يعدّ جواد محسن ان لونه يمثل صوت الجنوب ؟
-نعم ربما اللاوعي الجمالي يدفعني للاغنية الجنوبية ومرت انا كنت اغني في قاعة وكان الجمهور بعضا منه لا يراني فجاني صاحب القاعة وطلب مني تغيير اغنيتي الى الريفي فقدمت لحنا من المحمداوي وعندما انتهيت من الاغاني عرفت ان الجمهور كان يطالب باغاني ريفية وبهذا اقول انني اجيد الاغنية الريفية والاغاني الريفية اصلا ما زالت مقبولة .
-وكيف ترى فترة داخل حسن وحضيري هل هي مازالت ملائمة ؟
-نعم اغاني داخل رائعة وهو مطرب لا يدانا وحضيري قريب الى الاوبرالي وكلهم قريبون الى ذائقتي .
ـ هل تفضل غنا القصيدة الفصحى ام الشعبية ؟
-القصيدة هي ملاذي اللغوي عندما تخذلني النصوص البسيطة فألجأ اليها كي أرضي الشاعر بداخلي، ، ولهذا لا أجد صعوبة في غناء القصيدة مهما كانت صعبة البناء.
ـ وهل جربت كتابة الاغاني؟
-الكتابة الشعرية نعم جربتها، وقد صدر لي ديوان شعر بعنوان (رسائل ليست للآخرين)، وكانت تجربة مهمة بالنسبة لي، إذ نال هذا الديوان إهتماما واسعا في وقتها، من الوسط النقدي والادبي، وكتب عنه العديد من النقاد منهم الناقد بشير حاجم، بدراسة نقدية حاول فيها أن يؤكد على ان الفنان يمكن ان يشتغل على أكثر من صعيد، وألا يكتفي بمنجز واحد من دون أن يتشظى محافظا على توهجه الابداعي.
ـ كيف هي علاقتك مع الاعلام والصحافة، هل انصفوك؟
-نعم الصحافة أنصفتني كثيرا ربما لأني قريب من الوسط الثقافي، حيث يتابعني الكثير من أصدقائي الصحفيين، وقد عرفني الجمهور بداية من خلال الصحف، ولا أنسى الموقف الرائع للصديق قحطان جاسم جواد، الذي كان له الفضل في متابعتي والكتابة عني، وكذلك الصديق الاعلامي الكبير ناظم السعود والشكر لكم اليوم ولجريدة الزوراء التي تتابعني الان وانت صديقي .
ـ قلت انك لحنت فماذا لحنت وكيف خضت تجربة التلحين ؟
-كما قلت لك في بداية حديثي لحنت الكثير من أعمالي الغنائية، ولاسيما عندما لا أجد الملحن الذي يتفهم مساحة صوتي، ولوني الغنائي، خاصة وأنا موسيقي في الأصل، لكن هذا لا يعني إنني أرفض الالحان التي يقدمها الملحنون لي، خاصة تلك التي تتناسب مع قدراتي، وقد غنيت للملحن جعفر الخفاف، وللفنان الكبير طالب القرة غولي، والفنان علي سرحان، وسرور ماجد، وما زلت فاتحا ذراعي لكل تجربة لحنية جديدة ناضجة تناسب قدراتي واهماماتي.
ـ هل لديك خططا للمستقبل؟
– في مسيرتي سجلت اغاني كثيرة ومنها اغنيتين هما قطار العمر، ومانسيتك، كلمات عدنان هادي، وجودت التميمي، وحسن الخزاعي، ومن الحان سمير محسن، أيضا اشتغل الان على إصدار مجموعة شعرية جديدة بعنوان (أخطاء للذكرى). اما على صعيد الاغاني لدي اغنية رياضية اسمها (منتخبنا الوطني) وهي استعداد لدورة الخليج الرياضية التي من المؤمل ان تقام في العراق قريبا ولدي اغنية اسمها بهداي ويانه كلمات الشاعر جليل صبيح ..
ـ كلمة أخيرة لمن توجهها؟
– أوجهها للاخرين الذين لا تشكل المعرفة لديهم هما إنسانيا، وابداعيا وأقول، المعرفة قوة لأنها تنبع من منطقة بعيدة، الغور في ذات الانسان هي منطقة الرغبة في الكتمان، لذلك انصح المطربين الشباب الجدد ان يتسلحوا بالمعرفة الموسيقية واللحن الحديث وان يقدموا للساحة الفنية احلى ما ليهم وشكرا لك ولكل فريق جريدة الزوراء على هذه المبادرة.
– شكرا لك متمنين لك الاستمرار في العطاء الفني والثقافي خدمة للفن العراقي الاصيل .

About alzawraapaper

مدير الموقع