حنا مينه والتجربة الروائية

اعداد: حنان الموسوي
السؤال الذي يطرحه عليّ الناس عن تجربتي الروائية، إنني أكتب الرواية وأصل الى مرحلة التنظير لها، وقد لا أصل اليها أبداً ولن أكون آسفاً على كل حال.
لقد بدأت كتابة الرواية عام 1952 دون اطلاع مسبق على النتاج الروائي العالمي، كل زادي كان بعض روايات نجيب محفوظ وخاصة (زقاق المدق) وأني تأثرت بها قليلا من حيث اختيار حي القلعة في اللاذقية ليكون مسرحاً لروايتي الأولى (المصابيح الزرق ) كما اختار محفوظ ( زقاق المدق ) مهاداً لروايته، ما عدا ذلك لا أذكر أنني أفدت أو حاولت الإفادة من التجريب الفني للأساليب الروائية العالمية، لقد تأثرت في قصصي الأولى التي نشرتها الصحف في الأربعينات لمكسيم غوركي وقد يكون لذلك أثر في روايتي ( المصابيح الزرق ) أيضاّ ما عدا ذلك كتبت الرواية دون أن يكون في ذهني أي أسلوب روائي محدد، ولهذا قلت أكثر من مرة، إننا جيل التجريب في الرواية، ففي بداية الخمسينات لم يكن لدى القارئ العربي امكانات الاطلاع على الروايات العالمية ولا على المفاهيم الروائية في العالم بعد ذلك بسنوات سأقرأ تشارلز ديكينز وأتوقف طويلا عن روايته ( قصة مدينتين ) وأحبها كثيراً، لكنني سرعان ما أهملتها حين نظرت روايات أرينست هيمنيغواي، هذه عشتها وما أزال، لكن فكرة تقليد أسلوب هيمنيغواي لم تخطر لي على بال رغم أن عالم البحر هو القاسم المشترك بيننا، لقد أنجزت روايتي ( الشراع والعاصفة ) عام 1958، وكنت قد بدأتها عام 1956 إثر العدوان الثلاثي على مصر والضجة التي ثارت حول بطولة البحارة العرب، وبعد سنوات اطلعت على رواية ( الشيخ والبحر ) لهيمنيغواي ولم أستشعر أيما أسف لأنني كتبت (الشراع) قبل أن أطلع عليها، فالشراع كانت مرضية بالنسبة لي وإن كنت قد تشردت عام 1959 ولم أنشر روايتي إلا عام 1963 لأول مرة.
إن فكرة تقليد أساليب الروائيين الآخرين ظلت بعيدة عن ذهني، لم أفكر فيها قط، لم تبهرني أية محاولة تقليدية أو جديدة، كنت دائما اكتب الرواية على طريقتي، وكان الموضوع هو الذي يتطلب الشكل عندي، ودليل ذلك أنني كنت بعد كتابة الشمس في يوم غائم، وهي رواية شاعرية، رمزية، أسطورية، واقعية، وبعد كتابة ( الياطر ) وهو مللوج داخلي بحت، عدت فكتبت ( بقايا صور ) التي تحكي سيرة حياتي بطريقة تقليدية فيها تطوير نابع من الممارسة في طريق تقديم السياق.
ثلاثة أشياء تجنبتها دائما في عملي: الإسقاط الفكري ، الافتعال، الصراخ، انني من كتاب الواقعية الاشتراكية في الوطن العربي ورواياتي شهادة كبيرة على عظمة الواقعية، على قدرتها اللامتناهية في الاستعارة لمختلف المدارس التعبيرية دون أن تفقد الواقعية هويتها المتميزة .
إن أداة التوصيل المثلى هي البساطة، أقول البساطة لا التبسيط، ومعنى هذا إننا يمكن أن نكتب أكثر لغة ممكنة، وأكثر شاعرية، ونظل نحافظ على البساطة التي لا يجيدها إلا المبدعون الحقيقيون، إنني أقرأ أشعار نيرودا ومايا كوفسكي وأراغون وحكمت وإليوار وأفهمها، بينما أعجز عن فهم بعض الشعر الحديث عندنا، فلماذا؟ وإذا كنت أنا المثقف أعجز عن فهم بعض هذا الشعر، فلمن يكتب الشعراء؟ ولمن يكتب القصاصون الذين أرغموا بشكلية الموجة الجديدة للرواية الأوروبية؟.
ان كل كاتب يحتاج الى قارئ، ثم ما قيمة الكاتب دون قارئ؟ قد لا أدعوا الى كتابات يفهمها القارئ العادي، لكنني أدعوا الى كتابة يفهمها القارئ المثقف على الأقل. الأمية سبعون بالمئة في الوطن العربي وترتفع في بعض الأقطار الى الثمانين والتسعين، وعلينا ككتاب ان نربي القراء، أن نشوقهم الى القراءة، أن نوصل أفكارنا إليهم، فكيف نفعل؟ نكتب للنخبة؟ هذا مرفوض في رأيي. القارئ لا يريد منا أن نكتب أشياء يفهمها فحسب، بل يريد أن يرى صورته ومشاكله في كتابتنا، ولهذا فإن الدوران في المتاهات النفسية للبطل المثقف لا تعني إلا مثقفا اخر. القراء يريدون أن نطرح قضاياهم، ونمنحهم الرؤيا فيها.
ذكرياتي في ( بقايا صور ) تبدأ منذ كنت ابن ثلاث سنوات، ان تلك الدار القديمة في مدينة اللاذقية، والتي هدمت فيما بعد، تتراءى لي كبقايا حلم، لأنني ولدت وحبوت ودرجت فيها، كان بدأ وعيي بالوجود، وظلت رؤاها مزقاً، تتجمع وتتفرق، تظهر وتغيم، تتسلسل، ينقطع تسلسلها تنقلب تتجلس الى أن قبضت على ما تبقى منها وأعدت الترميم والتوليف وسد الفجوات، حتى تكاملت بقاياها واستقامت صوراً صالحة لمتابعة سياق العائلة.

About alzawraapaper

مدير الموقع