حكايات كريلوف الهادفة

عبد الرؤوف دقاق
تعد الحكايات الرمزية الجارية على ألسنة مختلف الكائنات الحية وغير الحية من أهم مصادر الأدب الشعبي في أية أمة فضلاً عن أنها غالباً ما يكون لها أهداف تربوية اجتماعية وإصلاحية وذات مغزى عميق تعين القارئ على استنباط العظة والمتعة.
والطريق السليم حيال ما يعترض الإنسان في حياته من مصاعب ومعوقات ومعاناة ومواقف حرجة أو التصدي أمام مختلف المشكلات التي نقف تجاهها حائرين مضطربين بحيث نجد من خلال هذه الحكايات الحلول الناجعة والآمال المرتجاة والأحلام القابلة للتنفيذ ..‏
فهذه الحكايات نستطيع أن نطلق عليها : (كليلة ودمنة الروسية) لأنها أتت على غرار حكايات (كليلة ودمنة) الفارسية الأصل العربية الانتشار والثقافة لعبد الله بن المقفع عدا عن أنها من التحف الخالدة في الأدب الشعبي العالمي عامة والأدب المقارن خاصة إذ تصور لنا طبائع الناس الروس في مرحلة تاريخية محددة من الحكم القيصري حينذاك.
نبذة عن المؤلف كريلوف: كان كريلوف مؤلف الحكايات هذه في الحادي عشرة من عمره عندما توفي والده حيث واصلت والدته تربيته في ظل فقر مدقع ومعاناة شاقة على أن قساوة الزمن قد أنزلت ضربة شديدة بوفاة أم كريلوف وهو في سن العشرين فوجد نفسه وحيداً حزيناً يتيماً بعد أن فقد جناحيه فغدا مهيض الجناح ضعيفاً لا حول له ولا قوة ، وفي يوم استثنائي تفجرت لديه بغتة أولى علائم النبوغ والإبداع فاتجه نحو المطالعة بشوق ونهم وهو في حالة نفسية لا شعورية إذ أصبحت عادة القراءة والكتابة شغله الشاغل مما مكنه من أن يتبحر باللغات الأجنبية الفرنسية والألمانية والإيطالية وحالفه الحظ في أن يترجم إحدى قصص الكاتب الفرنسي (لافونتين) إلى الروسية مما شجعه على أن يؤلف قصصاً خاصة به تلك التي سرعان ما لقيت رواجاً وإقبالاً من المجتمع الروسي الذي كان يتوق إلى الإصلاح والحياة الفاضلة .‏
ولقد قدر القيصر الروسي حينذاك هذه القصص الجديدة الأدبية فانحنى القيصر للمؤلف كريلوف تقديراً وإعجاباً وتكريماً وأسند إليه مهمة الإشراف على مكتبة القياصرة الضخمة في مدينة (سان بطرسبرغ) كما خصته الأميرة الروسية بمقعد خاص حول مائدتها .‏
وعندما توفي كريلوف تم تشييع جنازته في احتفال رسمي وشعبي وأقيم له تمثال تخليداً لإبداعاته القصصية وتخليداً له واعترافاً بمكانته وموهبته .‏
1- الفلاح والدب : سار فلاح مع خادمه عائدين إلى المنزل حين مالت الشمس نحو المغيب وفي الطريق انقض دب من قلب الظلام فأمسك بالفلاح وراح يبحث عن مكان مناسب يخلو فيه إلى عشائه الشهي ورأى الفلاح أن الموت قريب منه فصاح مستغيثاً منادياً خادمه مستنجداً فاستجمع الخادم قواه وطوح بفأسه في الهواء فأصاب رأس الدب فشجه وأعمل فيه مذراته طعناً حتى خر صريعاً ولفظ أنفاسه وما أن زال الخطر عن الفلاح حتى التفت إلى خادمه لائماً إياه : ماذا حدث أيها المعتوه لقد قتلت هذا الدب وأتلفت فراءه فتسببت لي في وقوع تلك الخسارة الكبيرة؟!‏.
2- الصديق عند الضيق : انطلق ذئب ينشد النجاة …. وفي أعقابه كان الصيادون والكلاب يطاردونه بكل قواهم حتى بلغ قرية فيها قطة منكمشة فوق إحدى الأشجار فصاح بها مستغيثاً أخبريني أيتها الصديقة: من مِن الفلاحين هنا رحيم القلب يغيث الملهوف ويعين الضعيف؟ فأجابت القطة : اذهب إلى كوخ (نقولا) فهو طيب القلب يحب فعل الخير نقولا !! إنه حانق عليَّ منذ الربيع الماضي عندما سرقت له حملاً صغيراً؟! جرب إذن كوخ (ليون) !! أعرفه جيداً ولكني كنت قد فجعته في إحدى معزاته في الأسبوع الماضي !! واحسرتاه إنك في موقف لا تحسد عليه !! ولعل (إدور) ينقذك من هذه الورطة فأسرع واختبئ في كوخه !!‏
لا أجرؤ على الاقتراب من كوخه فقد افترست أحد عجوله منذ شهر مضى !!.
وهنا صاحت القطة : ما هذا؟ لقد أغضبت القرية كلها ، فلا فائدة ترجى من مد يد العون إليك !!‏ .
3- كرم للمباهاة : مرت سحابة ممطرة فوق أرض قاحلة عطشى غير أن السحابة تابعت مرورها غير مهتمة حتى بلغت البحر فأمطرته بسيل من مطرها الغزير!‏ .
وراحت السحابة تتشدق وتتباهى بفضلها وكرمها متحدثة إلى جبل بجوارها الذي قال لها: أيتها السحابة : أخبريني ما جدوى كرمك هذا؟‏
فلو أنك أسقطت ماءك هذا على الأرض المحتاجة لأنقذت الكثير من المحرومين الجائعين أما البحر ففيه من الماء الكفاية فلن تزيده مياهك شيئاً !!‏ .
4- القناعة والطمع: اعتاد متسول أن يتنقل من مكان إلى مكان ومن باب إلى باب حاملاً غرباله المتشقق وحدث أن أخذه التعب فجلس تحت ظل شجرة يناجي نفسه يا للعجب من هؤلاء الناس فالغني لا يقنع بثروته مهما كثرت ودائماً يطلب المزيد فلماذا هذا الطمع والجشع؟
وبينما كان المتسول يتجول التقى بـ (الحظ) فبادره قائلاً : رويدك لطالما تاقت نفسي لمساعدتك فافتح غربالك وخذ كل ما تشتهي من قطع ذهبية على أن تحرص ألا تسقط من غربالك قطعة ذهبية على الأرض حيث تحول في ذلك السقوط كل القطع الذهبية في الغربال إلى تراب! بادر المتسول إلى فتح غرباله وإذا بالقطع الذهبية تنهمر انهماراً وهو يكاد يطير من الفرح وهنا خاطب الحظ المتسول : ألا يكفيك هذا؟ فصاح المتسول : ليس بعد ليس بعد!‏
فقال له الحظ : إن غربالك قد اكتظ بالذهب ولم يعد يحتمل وقد أوشك على التمزق فأجابه المتسول : لا … لا … استمر فالغربال قوي ويحتمل ثم ما لبث الغربال أن تمزق فسقط الذهب كله على الأرض واستحال تراباً لا قيمة له وأصبح المتسول الغني فقيراً بائساً وفقد عقله وهام على وجهه باكياً نادماً وهذه نتيجة الطمع الذي لا ينتهي!.‏
5- الصخرة والينبوع: قالت الصخرة متسائلة: (عجباً للناس ما هذه الضجة التي يثيرونها من أجل هذا الينبوع الذي خلق للعطاء والخير وري الزرع … إنهم لا يكفون عن الحديث عنه وكيل المديح له أما أنا فلقد مكثت سنين طويلة في مكاني هذا فلم يفكر أحد في أن يشكرني … إنه لغبن فادح !!‏.
سمعت النملة ما قالته الصخرة فصاحت : (كفي أيتها الصخرة عن هذا التذمر الأخرق، فهذا الينبوع المعطاء كان دائماً سخياً جواداً فهو لم يتوقف لحظة واحدة عن إسداء الخير للآخرين ومد يد العون للمحتاجين …. حتى أنه يخترق الروابي والصخور والمنحنيات ليصل إلى الجميع فهو سعيد مسرور في إسعاد الناس أما أنت فقابعة في مكانك منذ قرون كسولة بليدة لا رسالة لك فاقدة لذة العمل النافع لأخيك الإنسان منزوية لا خير فيك … فلماذا يشكرك الناس؟.‏
5- النصائح لا تفيد : تسلل لص ذات ليلة إلى بيت قروي فسرق الكثير الكثير … استيقظ القروي في الصباح فوجد نفسه فقيراً فلجأ إلى أصحابه طلباًً للعون فأخذ كل واحد يتهرب من معونته وأخذ يقدم له النصيحة فقال أحدهم: إنك لم تكن حريصاً على أموالك فهذه كانت النتيجة، وقال الثاني : أرى أن تنام منذ اليوم بجانب أمتعتك … وقال الثالث: إن أفضل ما تصنعه الآن هو أن تقتني كلباً للحراسة … وهكذا أخذوا يقدمون النصائح ولكن أحداً لم يبادر إلى إغاثة هذا القروي … فما أسهل الكلام المجاني البعيد عن الفعل المنقذ والنافع .‏

About alzawraapaper

مدير الموقع