حكايات كالبرق

صنعة التأويل وقصدية النص في مجموعة ( شيطان) للشاعر علاء محمد زريفة
علي لفته سعيد
يسعى الشاعر علاء محمد زريفة في مجموعته الشعرية التي تحمل عنوان ( شيطان) ويجنسها على الغلاف بكلمة ( شعر ) الى إعطاء مفعولها الدلالي على أن ما يكتبه شعرا وليس نصوصا نثرية.. وهو ما يعني محاولة لمعرفة القدرة الانتاجية له كشاعر ومعرفة ما يمكن ان يحصده المتلقي من التجنيس ما بعد القراءة.. التي تبدأ من العنوان المثير والذي هو البوابة الكبرى للدخول الى معترك النصوص للبحث عن عملية الربط ما بين الجسد الكلي للنصوص وما بين الفحوى والقصد والتأويل لإنتاج المدلول الذي يراد أن يكون وسيلةً لمعرفة الدال والعكس صحيح ايضا.
إن هذه المجموعة التي صدرت مطلع عام 2020عن دار الدراويش في بلغاريا لا تتميز بكونها شعرًا فقط، بل تتميّز بقدرتها على إن ما تحمله من الشعر يولد الشاعرية المبثوثة بين ثنايا عمليات التأويل الذي هو المستوى الأكثر فاعلية في الشعر.. ومن ثم تأتي المستويات الأخرى كمساعد على بنائية النص في عملية التدوين التي تميز الشاعر زريفة عن غيره ليس في الشكل الخارجي لهذا البنية الكتابية بل من خلال تفعيل المستويات الأخرى لكي يحافظ التأويل على مكانته لمرموقة.
إن أغلب النصوص إن لم نقل جميعها هي عبارة عن مقاطع شعرية يربطها العنوان من رأسها مثلما يربطها المعنى المراد بثّه من الجهات الأخرى لتكوين الجسد الكلّي للنص.. بمعنى إن نصوص زريفة ليست مقاطع على شكل ضربات متتالية تنتج في النهاية عدة تأويلات أو يمكن للمقطع الواحد أن ينيب عن المقاطع المتلاحقة في الحصول على المستويات الأخرى، سواء ما يمكن استحصاله من مستوى قصدي أو تحليلي أو فلسفي لأنه جعل نصوصه مرهونةً بالعنوان الرئيس المؤلف من كلمةٍ واحدة لها دلالة الحياة برمّتها في صراعاتها ومعاناتها ووجودها ومصائبها ومصاعبها.. ولذا فإن النصوص تبحث عن هذا الترابط الذي جعل الشاعر يسعى لتوليد طاقات تأويلية لها عدد من الأقسام موزّعة على شكل مقاطع في كلّ نص يفصل بينها نجمة لتكون عملية انتقال سلّمي في صعود قرائي للبحث عن عناصر الترابط ما بين المقطع والآخر الذي ينتج قصديات الشاعر.
إن اغلب النصوص يمكن لها تتمحور كأفكار على ثلاث ثيمات مهمة.. الاجتماع/.. السياسة/ الدين.. ولكن كل هذه القصديات يجمعهما رابط الحب والحياة ذاتها رغم أن الغلاف بلوحته جاء للربط المعنى ( شيطان ) في ذهنية المتلقي لكنه سيتفاجأ ان الشاعر هنا لا يريد إغواء المتلقي بقدر ما يريد طوع التأويل الى منطقة الإغواء.. والتي يسعى الشاعر من خلال الشعر الى ان تكون قادرة على رسم حتى قبحها بالجمال: ( أتشاجر/ مع التراب / أغرز مسامير قدمي/ أديمه اليابس/ أسيل دمه الفاسد/ رعاف الهداية/ أجفف عروق الفضيلة/ في الوصايا / أفجر/ الطوفان ص21 ) وهذا النص الذي يحمل عنوان ( مخلوق نيشة المنتظر ) يعبر بقصدية واضحة عن عملية التشاجر مع الآخر للوصول الى عملية الانتظار ليس لغودو أو الخروج من معطف حتى الأب، بل لأنه يريد بثّ تلك العلاقات الثنائية التي تحمل تلك المعاناة مع الذات، فيلجأ الشاعر في هذا النص والنصوص الأخرى الى تكرار كلمة محددة للتعبير عن القصدية، وهي هنا تتكرّر مفردة ( أتشاجر ): ( أتشاجر مع أبي/ أفسدُ نشوته الأولى… ص18 ) ولذا نرى مثلا ان الجانب الاجتماعي يتكرّر في المواجهة مع الأب في أكثر من نص ليس باعتباره الغريم أو أنه نقطة الوصول مع العنوان، بل لأنه الذي يمكن من خلال الانعتاق من كل هو مترابط ولحظوي ومؤذي في الحياة التي يريدها الشعر.. ففي النص الأخير (رسالة الى أبي ) يمكن قراءة القصدية ومن ثم الحصول على المستوى التأويلي..( حافيا من اسمي /عاريا من صفات الوراثةً / والحثالة/ من دمي الادمي/ أدخل شقائي المفرد/ أعلن عدالة الشاعر/ وأنا بكامل فحولتي/ ونرجسيتي/ وكلبية الابن العاق/ شريعة الآب ص 108)
إن هذه النصوص وهي تعلن مقدرة المستوى التأويلي على إنتاج العديد من المعاني والدوال فإنها ايضا تخبئ المستوى الفلسفي تحت عباءتها.. فلا نكاد نقرأ مقطعا إلّا ونرى وراء أكمّة التأويل هذا المستوى الذي يبحث عن عملية تقشير لمعاني المفردات سواء تلك التي تحمل شعرا أو التي تحمل في جملها شاعرية النص الذي يعطي التفرد مفعول التلقي: (حاضرا/ أتخفف من نفسي/ أرحل إلى غيري/ أطير/ أمسح جبين لغتي برفق/ أتمثل أناي/ بها أستوضح الرماد/ يكسو افق ايامي ص 99).. ان هذا المقطع المأخوذ من نص ( إغواء الإله الميت ) يفضح عن المعنى الفلسفي في التأويل الذي يستحصل عليه المتلقي.. وعلى الرغم من وجود المستوى التصويري الذي يعطي المعنى لرسم المفردة مثلما يعطي مدلولها المكاني فانه ايضا كمستوى ظاهر للعيان من خلال التلاعب بمعاني المفردات التي لا يريدها ان تكون مباشرة في تراتبية الالفاظ وداخل الثلاثية التي أشرنا إليها التي تربط كل النصوص بالعنوان: (سبحاني أنا / كيف لم يقتلني الحب/ حتى الأن؟ سبحانها / كيف ترجع الفناء / مهد أمه رضيعاِه/ وتبدأ من ثديها درب اللبن ص 96)
إن هذه المجموعة لم تكن معنية بالشيطان الذي جعله في العنوان غير معرّف نازعًا عنه أل التعريف والمنطق فإنه أراد أن يمنح اللغة مواجهة ( شيطان ) الحياة وإعلاء من ( شيطان الشعر ) ليرسم الجمالية، من خلال عملية إخفاء التأويل بين تفاصيل التلقّي ومقدرة المتلقّي على ملاحقة المعاني في جسد كلّ نصّ شعري، مهما كان طول جسده.

About alzawraapaper

مدير الموقع