حضرات السادة المسافرين

داود الفرحان

قطع اتحاد النقل الجوي الدولي «إياتا» الشك باليقين: لا أمل في تعافي النقل الجوي قبل مرور ثلاث سنوات على الأقل. وهذا يعني أن كل ما له علاقة بالطيران الخارجي والسياحة والسفر سيظل معلقاً إلى عام 2023 في أحسن الأحوال. فالطائرات مهما كانت حديثة ومتطورة لا تنفعها الكمامات ولا القفازات للوقاية من «الكورونا». الاستثناء الوحيد هو الطيران الداخلي الذي يخضع إلى ظروف كل دولة ومدى الوعي العام في مجتمعها وقدرة الأجهزة المختصة على توفير أقصى سبل الوقاية من الإصابة والعدوى.
إحدى اللوازم اللفظية في كثير من الأفلام المصرية عبارة يوجهها مدير عام إحدى الشركات إلى سكرتيرته يقول فيها: «احجزيلي على أول طيّارة إلى لندن»! لكن بعد عام «الكورونا»، على غرار عام الفيل الحبشي، لن يجرؤ أي مدير عام أو وزير عربي أو أجنبي أن يقول هذه العبارة. فالطائرات لم تعد بعد اليوم «رهن الإشارة». من كان يصدق أنه سيأتي يوم لا تجد فيه أي طائرة في المطار على وشك الإقلاع في رحلة خارجية، ليس في المدن الصغيرة فقط وإنما في عواصم العالم شرقاً وغرباً. ويذكر التاريخ أنه منذ الحرب العالمية الثانية لم تواجه حركة النقل الجوي مثل هذا الشلل في المطارات والأجواء والطائرات.
أمامي إحصائية عن «كورونا» الطيران قد لا تكون دقيقة، لكنها تتحدث عن فصل مئات الطيارين والمضيفين والعاملين في شركات كثيرة. كما ألغى بعضها استئجار طائرات من شركات أخرى، وأوقف صفقات لشراء طائرات جديدة، ويدرس البعض توحيد أكثر من شركة في دول متجاورة. كل ذلك يؤكد أن النقل الجوي في مأزق كبير، وهو ينعكس على أنشطة وصناعات ذات علاقة مثل المطارات وتكرير وقود الطائرات والسياحة والمطاعم والأسواق الحرة والأمن الجوي والوظائف الإدارية ومكاتب الحجز والشحن الجوي والبريد وتوزيع الصحف والمجلات والمطبوعات. لم تصل إلى مصر – مثلاً – أي صحيفة أو مجلة عربية أو أجنبية منذ أكثر من شهرين، ولولا طبعة القاهرة من صحيفة «الشرق الأوسط» لما قرأناها إلا على الإنترنت.
حتى أشهر العسل تأثرت سلباً. وقد يعتقد البعض أن الطيران المحلي لم يتأثر، وهذا خطأ لأن معظم الدول أغلقت الفنادق والنوادي والمقاهي والمطاعم فتأثرت السياحة الداخلية مثلما توقفت السياحة الخارجية في كل الاتجاهات. وما يقال عن أشهر العسل، ينطبق على العلاج في الخارج الذي توقف تماماً لوجود مشكلة عالمية متصلة اسمها: عدم وجود أماكن شاغرة في المستشفيات.
طبعاً لا أحد يفكر في السفر بحراً في هذه الظروف العالمية، فكثير من السفن التجارية الخاصة بنقل الركاب تسلل إليها فيروس «كورونا». وتم إخضاع بعض هذه السفن إلى حجْر صحي بعد إصابة الركاب. الطيران الخاص لم يتأثر لكنه يخضع لاشتراطات صحية قبل أي اشتراطات أمنية. ومع أن بعض شركات الطيران بدأت بإعداد خطط للتعايش مع «الكورونا» واستئناف النقل الجوي تدريجياً مع تشديد إجراءات الوقاية، فإن ذلك سيترافق مع موجة من ارتفاع أسعار المقاعد التي سيتحملها الركاب لتغطية خسائر المقاعد الفارغة والفاصلة بين راكب وآخر. شاهدنا في وسائل الاتصال الاجتماعي رحلة لطائرة لبنانية دفع الركاب فيها أجور المقاعد الفارغة، ثم عندما امتطوا الطائرة الميمونة اكتشفوا أنه لا توجد مقاعد شاغرة وأن الطائرة ممتلئة تماماً! وحتماً هذه الطائرة اللبنانية ليست الأولى التي تفعل ذلك، ولن تكون الأخيرة. وسيُلزم الركاب بارتداء الكمامات والقفازات، وقبل ذلك سيتعرضون للفحص الطبي قبل ركوب الطائرات. لقد تغيرت الظروف ولا بد أن نتعامل بواقعية مع خطر الإصابة بالفيروس الذي اقتحم أنوفنا وبيوتنا وجيوبنا.
أما رجال السياسة والإعلام والتجارة الذين تضطرهم أنشطتهم إلى السفر فعليهم أن يضعوا في الحسبان أن كثيراً من الدول لا تتساهل في وضع أي راكب تحت الحجْر الصحي لمدة أسبوعين. وهو ما يعني أنه لا أنشطة إعلامية أو تجارية أو سياسية دولية إلا في أضيق الحدود. بل إن كل رؤساء دول العالم كفوا عن تبادل الزيارات أو المشاركة في مؤتمرات خاصة والاستعاضة عن ذلك بزيارات «افتراضية» عبر تكنولوجيا الفيديو كونفرنس. لحسن الحظ أن السيارات والقطارات ستظل تجري في أرض الله الواسعة. وأعلن رئيس مجلس الوزراء المصري قبل أيام عن قرب إدخال عربات قطار جديدة V.I.P للمسافرين تضاف إلى الدرجات الأولى والثانية والثالثة. ومشاريع قطارات الأنفاق في القاهرة مستمرة وممتدة من جنوب العاصمة إلى شمالها ومن شرقها إلى غربها. الحياة يجب أن تمضي في طريقها ويجب أن نتعايش مع هذا الفيروس الفتاك إلى أن يجد العلماء اللقاح المناسب.
تُعتبر الدراجات الهوائية أرخص وسائل النقل وأفضلها في الوقاية من «الكورونا». ولذلك امتلأت الشوارع الأوروبية بالدراجات رغم نظافة قطارات الأنفاق والحافلات العامة. لكن الدراجات غير عملية في النقل من مدينة إلى أخرى، لذلك علينا أن نتذكر أغاثا كريستي، تلك السيدة البريطانية التي سحرتنا برواياتها عن جرائم تحدث خلال رحلات القطارات أو السفن. لم يكن أجدادنا يهربون من الطائرات إلى القطارات لأن الوسيلتين لم تكونا منتشرتين في كل مدننا. وحتى اليوم فإننا لم ننجح في مد خطوط سكك حديد حديثة تربط أرجاء العالم العربي وتُسهل أمورنا في اليوم الكوروني الأسود.
حتى قطار الشرق السريع الذي خلدته أغاثا كريستي عام 1943 في رواية ما زالت تطبع مراراً وتكراراً، صار قطار الشرق البطيء. فقاطرته التي تعمل بالبخار مثل قطارات الماضي البعيد قبل أكثر من قرن، تنفث بخارها في رحلة القطار السياحي التاريخي الذي تأسس في عام 1833 وينطلق من باريس إلى إسطنبول ويعود إليها. وكان من الفخامة بحيث لم تستطع القطارات الحديثة تقديم المستوى نفسه من الفخامة والخدمة الملكية لكل راكب من ركابه في تلك الرحلات الطويلة التي كانت تستغرق من ثمانية أيام إلى أسبوعين في بعض الأحيان، وبعض مقاطع رحلاته تتم بالبواخر ثم من قطار إلى آخر. وكان يتوقف في مدن مثل ميونيخ في ألمانيا وفيينا في النمسا وبودابست في المجر وبوخارست في رومانيا وإسطنبول في تركيا ولوزان في سويسرا وميلانو وفينيسيا في إيطاليا وزغرب وبلغراد في يوغوسلافيا السابقة وصوفيا في بلغاريا. وهو يقطع مسافة تزيد على 2740 كلم. ومع نشوب الحرب العالمية الأولى توقفت خدمات القطار، ثم استؤنفت عام 1919. وقد توقفت خدماته مرة أخرى مع نشوب الحرب العالمية الثانية، واستؤنفت مجدداً عام 1947. ثم توقفت مرة أخرى في عام 1972 لقلة عدد الركاب وعدم جدواه الاقتصادية. غير أن رجل الأعمال الأميركي جيمس شيروود أعاد في عام 1982 إحياء هذا القطار، الذي صار اسمه «قطار فينيسيا سيمبلون الشرق السريع» لأنه يعبر جبال الألب من نفق سيمبلون. ويقوم برحلاته من لندن إلى فينيسيا على محاور عدة ومنها ما تصل إلى إسطنبول. وقرأت قبل سنوات أن هناك مشروعاً لمد خطوطه مرة أخرى إلى العراق لربط الخليج العربي بأوروبا لأول مرة بواسطة السكك الحديدية، إلا أنه ما زال حبراً على ورق. وأكثر ما يعيق وصول هذا المشروع السياحي والترفيهي إلى دنيا العرب هو مراكز الحدود المعقدة والسيطرة والتفتيش.
نعود إلى الموضوع. لأن المطارات لا تتسع للعدد الهائل من الطائرات التي تقرر إيقافها عن العمل، فقد لجأت بعض شركات الطيران الأميركية إلى استئجار قواعد جوية أميركية ملغاة لحفظها. والمشكلة أن هذه الطائرات تحتاج إلى صيانة أسبوعية دقيقة حتى لو لم تحلق في الجو. ولجأت شركات أخرى إلى استخدام شوارع مهجورة أو صحاري لإيواء الطائرات إلى أن تنتهي «الجائحة».
حقاً، عام 2020 هو الأسوأ في التاريخ لشركات الطيران، لكن أمراً واحداً جيداً فيه هو رحلة الطائرة السورية من دمشق إلى بغداد في بداية العام وعلى متنها قائد «فيلق القدس» الإيراني قاسم سليماني، حيث تم مقتله عند أسوار مطار بغداد.

About alzawraapaper

مدير الموقع