حرائق القمح وحصاد التجهيل المعلوماتي

تعرضت المحاصيل الزراعية العراقية الى حرائق شملت محافظات شمالية ووسطى وجنوبية وصلت الى 136 حريقا خلال 18 يوما منذ الثامن من ايار الحالي ولغاية الـ26 منه، ومجموع المساحة المحترقة بلغت ٦١٠٣ دوانم.
الإحصائية أعلاه ذكرتها مديرية الدفاع المدني، فيما تقول وزارة الزراعة أن النيران التي اشتعلت ناتجة عن حرق مخلفات حقول القمح للاستفادة من مخلفاتها كمغذيات للتربة، لذا يتم حرق متبقيات الحصاد داخل الحقول لتكون مفيدة لنمو المحصول، وتحسين صفاته النوعية.
التوضيح الذي نشرته الوزارة في بيان لها جاء على خلفية روايات عدة تداولتها وسائل الاعلام من بينها رواية وجهت أصابع الاتهام إلى عناصر تنظيم داعش في عملية إشعال الحرائق، عقابا لسكان القرى ممن يرفضون دفع الإتاوات للتنظيم.
الرواية الثانية كانت تتهم العوائل الداعشية وممن ينتمون الى تنظيم داعش بالقيام بحرق المحاصيل من اجل الحصول على تعويض مالي من الدولة.
الرواية الثالثة تتهم الحشد الشعبي بالقيام بدور الوكيل لدولة أخرى تتضرر من الاكتفاء الذاتي الذي يحققه العراق في مجال توفير الغذاء ما يحرم تلك الدولة من فوائد اقتصادية، لذلك يقوم الحشد الشعبي بحرق المحاصيل الزراعية قبل حصادها.
ما سبب تعدد الروايات؟
في أي حادثة ستجد اكثر من رواية، لا توجد حقيقة في العراق، ولا توجد حدود فاصلة بين الاستغلال السياسي للقضايا التي تهم الناس، والقضايا السياسية البحتة، فكل شيء يوظف لخدمة الأحزاب والجهات المتنفذة، هذه الجهات تحاول التاثير على المواطن باي وسيلة كانت، والوسيلة الأبرز في هذه المهمة هي خلق عدو، او اتهام خصومها الابديين بانهم يقومون بتخريب الوطن، سواء على مستوى الاقتصاد او السياسية او الجوانب التي تتعلق بتدمير التماسك الاجتماعي.
وفي طريق اتهام العدو لا بد من وجود أكاذيب او اشاعات، لان وسائل الاعلام التابعة للأحزاب لا توجد فيها ابسط أنواع الرقابة فيما يخص التحقق من صحة الاخبار_ما عدا تلك التي تتعلق بالحزب الممول_ يوجه بعض المحررين بكتابة تقارير وهمية ضد الخصوم السياسيين للحزب، تحت عناوين «يرى مراقبون» او «تكشف تقارير دولية».
الحكومة من جانبها تستخدم التضليل الإعلامي وهي من علمت الأحزاب سحر اختلاق تقارير إخبارية لا توجد صلة بينها وبين الواقع، وما تمارسه الحكومة العراقية إعلاميا لا يختلف عن عمل الحكومات في جميع انحاء العالم، فالاعلام الرسمي مهمته التستر على المشاكل وخلق واقع خيالي، وبما ان الحكومات العراقية المتعاقبة لا تملك من الإنجاز الا القليل فهي تمارس التضليل بشكل مكثف، ولا سيما مع وجود حجة الحرب على الإرهاب او الحرب على الفساد.
الحقائق وسؤال الديمقراطية والفوضوية؟
عندما تتوافر بيئة معلوماتية بالمواصفات الموجودة في العراق، تنشط الاشاعات وتتحول الى عمل روتيني، ويصبح الحديث عن الحقيقة نوع من التحذلق الممل، حتى ان الكثير من أصحاب الشهادات الجامعية لا يجيدون فنون التحقق من المعلومات، ولا هم يرغبون، فهم مجيشون من حيث لا يشعرون لصالح هذه الجهة او تلك من اجل تحقيق ضربة قاصمة تكسر ظهر الخصم.
على سبيل المثال يمكن لشخص يحمل شهادة جامعية ان يروج لرواية تتهم الحشد بحرائق القمح لمجرد انه لا يحب الحشد الشعبي، ويمكن لشخص اخر ان يروج لتهمة ضد داعش (يستبطن فيها اتهاما لسكان المدن المحررة) لمجرد انه يعتقد ان جميع من يتواجدون في المناطق المحررة هم دواعش.
هذه الممارسات تتضمن مخاطر كبيرة على امن البلد، فالشعب الذي يعيش في دولة ديمقراطية يتحول الى مستهلك لغذاء فاسد، او علاج فاسد، فمن يتداولون المعلومات الخاطئة هم متحزبون ويعتقدون ان نشرها يسهم في تغذية المجتمع معلوماتيا، او يمكن ان يصحح بعض وجهات النظر التي تضر بالعراق.
الشخص الذي يتداول تقريرا اعلامياً خاطئاً بغض النظر عن العدو الذي يضربه به، هو مثل الذي يحمل قطعة حديد ملتهبة تذيب كل شيء يلامسها، انه يجعل استهلاك الاشاعات امرا مقبولا اجتماعيا وعلى اعلى المستويات، وتتراكم هذه الاعمال لتخلق جيلا كاملا يجهل ابسط ما يدور في بلده، وفي مجتمع ديمقراطي تكون المعلومات الصادقة المعول الذي يكسر أبواب القصور الفارهة للمتنفذين على حساب المال العام.
في جميع انحاء العالم هناك طريقتين لتعزيز النظام القائم، اما بنشر الحقائق وكشف الجزء الأكبر من المعلومات، وهذه من صفات المجتمعات الديمقراطية، او عبر التجهيل وخلق بيئة مناسبة لتذويب الحقيقة في اناء يغلي من الاشاعات والاكاذيب، وهذا ما تعمل عليه الدول الديكتاتورية او الفوضوية، يبدو ان الروايات المختلفة _او المُخْتَلَقَة_ لحرائق القمح، وما يشابهها من روايات يتم تداولها يومياً تضعنا في قائمة الدول الفوضوية.

About alzawraapaper

مدير الموقع