“جيل الصدمة”… جنسية مضرجة بالدماء ونداء

الزوراء/ دريد سلمان:
غداة مقتل مئات العراقيين في ذروة إرهاب تنظيم “داعش”، برزت شريحة هائلة من الأرامل والأيتام الضعفاء، بينهم (أم محمد) التي كابدت لتؤمن عيش عائلتين بعد رحيل زوجها وابنها البكر سوية، والآن تواجه مصيرها بالكثير من الصبر، ولديها ما تقوله لرئيس الوزراء.
بردائها الأسود الذي لا يفارقها، تتنهد جنان عبد الله (أم محمد) ذو الـ (49 عاما) لـ”الزوراء” قائلة، “خسرت عمري باستشهاد زوجي سند حياتي وابني البكر”، بمشهد يفطر القلوب ويظهر فداحة الضغوط النفسية والمادية التي تعيشها أسر ضحايا الإرهاب، في خضم إجراءات حكومية “بطيئة” ولا تجاري حجم محن إنسانية بهذا الحجم، الأمر الذي يجسد محنة جيل “الصدمة”.
“كلما أرى شابا من عمره أو أرى أصدقائه تخور قواي”، هكذا تلخص (أم محمد) مشاعرها، وهي تصف وقع مقتل ابنها في ريعان شبابه تاركا لها طفلين وأرملة حامل في شهرها الرابع حينها.
بعد مرور أكثر من أربعة أعوام على الحادثة تقول (أم محمد)، إن إجراءات الحكومة ومساعداتها المقررة، “لم تكن بمستوى الكارثة” التي ألمت بها، موضحة أنها واجهت مصيرها لوحدها عبر العمل على إعداد الخبز والطعام في المنزل لتأمين لقمة العيش وتلقي مساعدات من بعض “المحسنين”.

وعادت (أم محمد) تنتقد شدة بطيء الإجراءات الحكومية اللازمة والبيروقراطية المفرطة المفروضة عليهم للحصول على الرواتب المقررة، مبينة أن راتب أبنها صرف بعد أربعة أعوام من رحيله، بينما مستحقات زوجها مازالت عالقة في الدوائر المعنية ولم تحصل سوى على تقاعد وظيفته.
وفق ذلك يقول عضو مفوضية حقوق الإنسان زيدان العطواني في حديث لـ”الزوراء”، “للأسف الشديد البيروقراطية الموجودة وقلة الموظفين وقلة التخصيصات المالية هي الأساس السائد في التعامل مع أسر الشهداء”.
ويؤكد العطواني، أن تكفل الدولة بمعيشة “أرامل ضحايا الإرهاب والحق في الحياة”، واحدة من أهم الأسس التي ترتكز عليها حقوق الإنسان والدستور العراقي، “وهذا الأمر لا أحد يتفضل فيه على أحد”.
ويضيف العطواني، أن مفوضية حقوق الإنسان متواصلة دائما مع مؤسسة الشهداء ودائرة ضحايا الإرهاب وأرسلت لها الكثير من الكتب الرسمية التي تقضي بضرورة “إنهاء معناة هذه الشريحة”.
أما الباحث الاجتماعي عمار منعم، فهو أيضا يؤكد أن أسر ضحايا الإرهاب تعاني من بعض “السلبيات” في إجراءات معاملات تقاعد ذويها، عازياً السبب إلى حصول “تأخير وعراقيل” بسبب فقدان السجلات الشخصية او تلفها، ما يضطر تلك الأسر إلى الانتظار لمدة طويلة الحصول على مستحقاتها.
ويقول منعم، أن مساعدات الدولة لتلك الأسر يفترض أن تكون سريعة وفور تعرضها لـ”الصدمة” ولا تتأخر، كون ذوي الضحايا بحاجة للمتابعة والرعاية وإعادة دمجها بالمجتمع، وليس امتيازات التي تحصل عليها “بعد 10 اعوام او اكثر من رحيل أبنائها”.
ويؤكد منعم، أن “الأرامل وأسرهن يتعرضون لظروف نفسية ومضايقات إجماعية”، بسبب قلة وعي المجتمع، والدولة يجب أن “تضمن حياة كريمة لهم”، مشيرا إلى أهمية دمجها بالمجتمع عبر الاعمال الخيرية او اعمال ثقافية وتغيير النظرة.
وفيما يتعلق بدور المتجمع الدولي لمساعدة الفئات الضعيفة في العراق، يقول منعم، إن المجتمع الدلي معني بذلك، ونطمح إلى دعم “الفئات الهشة والضعيفة وايجاد سكن ملائهم لها وفق ما هو متوفر”، وأخذ التجارب الدولية بنظر الاعتبار في هذا المجال. فهد (7 أعوام) وعبد الله (6 أعوام) إلى جانب أساور (4 أعوام)، هم أحفاد (أم محمد) الذين لن يتبق من والدهم سوى شاهد قبر في مقبرة (محمد السكران) شمالي بغداد وبالقرب منه يرقد والده، ليحتضنوه ويرشوه بماء الورد بين الحين والآخر، بينما عيني جدتهم ترنوا لتأمين مستقبل لهم وسط شظف العيش. وبينما تمسك بهوية مضرجة بالدماء تعود لزوجها الراحل (نهاد) وأخرى لابنها (محمد)، تؤكد أنها لو رأت رئيس الوزراء عادل عبد المهدي ستقول له “خسرت أعز ما أملك، وكسرت، أريد فقط سكنا يأويني وأستقر فيه أنا وأحفادي”، في إشارة إلى صعوبة تأمين مبلغ إيجار سكنها الحالي في طابق علوي لمنزل صغير المساحة. *كتبت هذه القصة ضمن مشروع لمنظمة أنترنيوز لتدريب الصحفيين حول كتابة وإنتاج القصص الصحفية عن القضايا الحساسة المتعلقة بالنوع الاجتماعي (الجندر) في العراق.

About alzawraapaper

مدير الموقع