جنون وفنون

احمد الجنديل

احمد الجنديل

في هذا الكون الفسيح ، وعلى امتداد الاحداث التي تتجسد على سطح هذا الكون هناك مؤشرات تستدعي الضحك قبل البكاء على ما يحدث من تناقضات .
أضع ذاكرتي في وسط ما يحدث ، وأتذكر قصة قرأتها للأديب الروسي الساخر ميخائيل زادورنوف يقول فيها : ( لقد اختلط الحابل بالنابل في بيتنا ـ الأرض ، وكل شيء تداخل وتشابك وتشوش ، الحرب أصبحت تدعى عملية احلال السلام ، والعسكريون صانعو السلام ، يطلقون النار سلميا ، ويقتلون سلميا ، لديهم دبابات سلمية ، وقنابل ذرية سلمية ، وفي صراعهم من أجل السلام قلب صانعو السلام عدة بلدان رأسا على عقب ) .
الكثير من الدول الكبرى التي ترفع شعارات السلام تصدر الموت الى الشعوب الضعيفة وتجبرها على التعامل معه لكي ينتصر السلام وتزدهر الحياة .
والكثير من الحكومات الضعيفة التي ترتجف خوفا من بطش الدول الكبرى تمارس الركوع والسجود وتجبر شعوبها على ممارسة لعبة الدم ارضاء لأسيادهم لكي تكون راية السلام غارقة في بحر من الدم .
الشعارات براقة بدم الضعفاء ممّن لا حول لهم ولا قوّة فيما يحدث على هذه الأرض التي باتت تصدر الشعارات بمهارة عالية وتنقلها من الطرف القوي الى الطرف الضعيف .
تتحرك الجيوش مدججة بالأسلحة الفتاكة ، وتقلع الطائرات محملة بكل صنوف الدمار ، وتتبختر الدبابات محشوة بالموت الزؤام ، وتنطلق الصواريخ تقذف حممها على الأخضر واليابس ، وكل البيانات السياسية والتصريحات الرسمية تتحدث عن مبادئ السلام وارساء دعائم الديمقراطية ، ولكي يكون السلام معافى من كل علّة فلابدّ أن يخرج منتصرا من بحور الدم ومستنقعات الحصار وأوكار الفاقة وظلام الزنزانات ، ومن يريد الوقوف بوجه هذا الجنون فعليه أن يدفع ضريبة وقوفه ، وأرخص أنواع الضرائب الاغتيال من قبل جهة مجهولة أو السجن بسبب تهمة باطلة أو التعذيب من أجل التأديب .
ورغم وضوح اللعبة وما أفرزته من كوارث وأهوال وويلات الا ان هذه الدول العظمى راعية السلام والحرية والديمقراطية لا زالت تطلق زغاريدها وتبشر بالمزيد من الخير كلما اتسع بحر الدم وتمدد حجم الفجيعة وتصاعدت ألسنة الفوضى العارمة .
قاموا بتصدير الموت من أجل تحقيق الحياة الهانئة السعيدة ، واجتهدوا في اشاعة ثقافة الظلام لكي تكون الدنيا متوجّة بالنور ، وتفننوا في تسويق كل أشكال الظلم لكي تنعم الشعوب بخير العدل والمساواة ، واجتمعوا تحت سقف الشرعية ، وألقوا الخطابات الرنانة التي تتحدث عن ضرورة انقاذ الشعوب لكي تنتشر السجون والمعتقلات وتعم الفوضى أرجاء الكون .
وأنت تتأمل ما يحدث في هذا الكون الفسيح تأخذك الدمعة الى حاضنات الحزن والبكاء تارة ، ويدفع بك الضحك الى ما يحدث من تناقضات تارة أخرى ، وما بين الضحك والبكاء تستمر اللعبة دون توقف .
الى اللقاء .

About alzawraapaper

مدير الموقع