ثورة التصحيح البريطانية

عادل درويش

أهي خطوة تصحيح، لانتفاضة الشرائح المنسية والريف الصناعي المهجور قبل ثلاث سنوات التي أجهضتها «المؤسسة» المسيطرة على السياسة في بريطانيا؟
الأسابيع القادمة ستبين ما إذا كان الانقلاب الديمقراطي مجرد تغيير فوقي في الحكومة البريطانية كفورة مؤقتة فجرتها روح التفاؤل التشرشيلية، أم أن هناك خطة لتغيير طريقة التفكير في إدارة البلاد وتصحيح مسار ثورة فجرها المنسيون في استفتاء 2016؟
بعد توديع في مجلس العموم وكلمة قصيرة أمام أشهر باب في العالم في داوننغ ستريت، توجهت تيريزا ماي، إلى قصر باكينغهام لتقدم استقالتها للملكة إليزابيث الثانية، بصفتها الرئيسة الثالثة عشرة «لحكومتها» (الاسم المطبوع على الأوراق الرسمية هو «حكومة جلالة الملكة») ورئيسة الوزراء السادسة والسبعين منذ خلق المنصب عام 1721 على يد السير روبرت والبول.
سابقها ديفيد كاميرون، ترأس حكومتين لكنه رئيس الوزراء الخامس والسبعون. السير هارولد ويلسون كان رئيساً لأربع حكومات فكان السابع والستين (1964 – 1970) وأيضا التاسع والستين (1974 – 1976)، فالترتيب هو بالاستمرارية في المنصب بلا انقطاع، وبعضهم يحتل ثلاثة مواقع كالخامس والخمسين ستانلي بولدوين (1923 – 1924) وأيضا السابع والخمسين (1924 – 1929) والتاسع والخمسين (1935 – 1937).
تقاليد نقل السلطة في بريطانيا سريعة وحاسمة. مهام السيدة ماي انتهت الأربعاء في الثانية وعشرين دقيقة بتوقيت غرينيتش بتقديم استقالتها للملكة التي كلفت جونسون، رئيس وزرائها الرابع عشر، تشكيل حكومة جديدة بعد ساعة كانت بريطانيا في أثنائها بلا حكومة، والقصر هو الحكومة الفعلية.
التحديات التي تواجه رئيس الحكومة السابع والسبعين (الخامس والخمسين بصفته شخصا) مخيفة.
تحديات، قد تجعل عمر حكومته الأقصر في ثلاثة قرون؛ وقد يساعده مزيج الظروف، إضافة إلى الإصرار والتفاؤل اللذين دفع بهما إلى الروح المعنوية للبريطانيين، لتخصيص فصل له في كتاب تاريخ الأمة العريقة.
تشكيل الحكومة وخطابات جونسون، في داوننغ ستريت الأربعاء والبرلمان الخميس ومانشستر أمس، تفيض بالأمل، إذ تنفض التراب عن القوة الكامنة في الأمة. قوة ظهرت مرتين فقط في القرن العشرين على يد السير ونستون تشرشل في 1940 لينقذ العالم من الفاشية، وحكومة ثاتشر بعد تعديل 1981 بالتخلص ممن سمتهم «المبتلّين» (كالغارق في الماء) لتنفذ خطتها لإنقاذ الاقتصاد المتردي.
المؤسسة الليبرالية الحاكمة والصحافة، المتواطئتان مع الاتحاد الأوروبي، جميعهم يكرهون ويخشون ما يحمله جونسون من صلابة تشرشيلية وقيم ثاتشرية، استحضروا «عفريتاً» وهمياً اسمه «العنصرية واليمينية» لتشويه صورته.
تشكيل الوزارة صرف العفريت.
أهم منصب في بريطانيا هو وزير المالية (أقدم من منصب رئيس الوزراء نفسه). لأول مرة في التاريخ هو المسلم ساجد جاويد؛ وهذا تجسيد لقيم حزب المحافظين والعصامية الثاتشرية (هي نفسها ابنة بقال تعلمت في أكسفورد بمنحة دراسية)؛ وجاويد ابن سائق حافلة المهاجر الباكستاني لم يشكُ الفقر أو الإهانات العنصرية في المدرسة، بل قرر الانتصار على الظروف بجدية ليصبح واحداً من أهم الاقتصاديين في البلاد.
أيضاً ابنا مهاجرين لأهم ثاني وثالث وزارتين؛ دومنيك راب، ابن لاجئ يهودي من تشيكوسلوفاكيا، وزيراً للخارجية، ووزيرة الداخلية، بريتي باتيل، ابنة الأسرة الهندية التي طردها الديكتاتور الأوغندي عيدي أمين وجردها من الممتلكات فلجأت إلى البلد الأم بريطانيا. عملت في محل لبيع الخردوات والجرائد الذي أقامه والداها، وفيها مزيج بين جاويد وقدوتها الليدي ثاتشر.
من وراء صورة المهرج الخفيف الظل ظهر جونسون آخر.. جراح فولاذي الأعصاب يجري عملية تطهير آيديولوجي مخلصاً مجلس الوزراء من الموالين لبروكسل والذين ظلوا يشككون في قدرة الأمة على النجاح خارج الاتحاد الأوروبي.
بقية الوزارة (ولن نشغل القراء بأسماء لم يألفوها) جبهة قوية مؤمنة ببريطانيا ومناهضة لفكرة الفيدرالية الأوروبية؛ المالية والاقتصاد في يد جاويد، يعني العودة إلى نجاح الاقتصاد بقفزات تشبه عهد ثاتشر مما رفع سعر الإسترليني فور إعلان اسمه. وزير الخارجية دومنيك راب، استقال بصفته وزير «البريكست» احتجاجاً على صفقة ماي وإدارتها للتفاوض مع الاتحاد الأوروبي. راب مثل ثاتشر من المؤمنين بدور عالمي بالتعاون مع أميركا وهو ما يقيده الاتحاد الأوروبي متمثلاً في رفض سابقه جيرمي هانت عرض إدارة الرئيس ترامب المساعدة بقوات بحرية في الخليج، مفضلين التنسيق مع الاتحاد الأوروبي الذي لم تصدر عنه إشارات لتأييد بريطانيا، بينما كانت مدمرة إسبانية تبحر في مدخل الخليج لم تتدخل ساعة اختطاف إيران للناقلة البريطانية.
ظهر إصرار وقسوة مبضع جونسون في إقالة وزير التجارة الدولية ليام فوكس، المؤيد لـ«بريكست» لتأييده صفقة ماي مع بروكسل، التي رفضها البرلمان ثلاث مرات، لأن الوطنيين الثاتشريين يرونها وثيقة تنازل لا يوقعها إلا بلد مهزوم في الحرب. وعين بدله إليزابيث ترس، وهي من مدرسة حرية التجارة العالمية والسوق المفتوحة للعالم، وبريطانيا بُنيت إمبراطورية بالتجارة.
نقل وزير البيئة وشريكه في شن حملة الخروج من الاتحاد الأوروبي مايكل غوف إلى منصب دوقية لانكستر، هو الأهم؛ فسيكون مسؤولاً عن تحريك الجهاز الوظيفي الدائم (يتبع التاج ومستقل عن الحكومة). تقاليد الجهاز تعرف بـ«الدولة العميقة» لعرقلتها تطبيق الإصلاحات التي تعهدت بها أي حكومة أثناء الانتخابات، ليس بسبب الفساد كحال العالم الثالث، وإنما بطبيعتها البيروقراطية التي تقاوم التغيير حفاظاً على ما تعرفه بالاستقرار الذي يضمن وجودها.
المعركة الأكثر شراسة ستكون مع المؤسسة الصحفية المتحالفة مع المؤسسة الليبرالية، والتي ستتولى الدولة العميقة تسريب الأسرار إليها لتحرج جونسون ووزراءه.
ما نقصده بالمؤسسة الليبرالية يشمل وكالات صناعة الرأي العام المنغلقة على نفسها في نسق فكري يشمل الأكاديميين، والجمعيات الخيرية المتلقية للدعم، والمنظمات الثقافية والفنية المستمرة في الإبحار يساراً. تفكير شمولي وراءه الفلسفة الذهنية المحركة لآيديولوجية الوحدة الأوروبية، وبدأ بتطبيق عملي منذ الستينات لنظرية الفيلسوف الإيطالي الماركسي أنطونيو غرامستشي (1891 – 1937) ومن مؤسسي الحزب الشيوعي الإيطالي. استراتيجية الشمولية الثقافية بالسيطرة الناعمة على مؤسسات الفنون والتعبير لتضمن الانتصار السياسي، في النظم الديمقراطية البرلمانية؛ ورغم حرية التعبير، فقد وصلت مرحلة منع الرأي الآخر، بحجة «التصحيح السياسي» و«مكافحة التغيير المناخي».
حملة الصحافة البريطانية، خاصة الشبكات التلفزيونية، المتوقعة على حكومة جونسون سيجعل هجوم الصحافة الأميركية على دونالد ترامب، والذي لم يتوقف منذ فوزه في نوفمبر (تشرين الثاني) 2016، بمثابة نزهة ظريفة.
وفي مقابل حساسية الرئيس ترامب وانفعاله بهجوم الصحافة، فإن خريج أكسفورد جونسون، عالي الثقافة الكلاسيكية صحفي بالمهنة خفيف الظل حاضر البديهة قادر على إقناع الرأي العام بأكثر المهام جدية في نكتة يضحكون عليها.

About alzawraapaper

مدير الموقع