ثقافة الزوراء تنشر نص محاكمة الشاعر حسين مردان

شهد تاريخ الصراع بين أصحاب الكلمة الحرة وبين بعض الحكومات والجماعات المتطرفة حربا شرسة لا تعرف الاعتدال ولا تميل الى المنطق ، بعض الادباء لقي حتفه نتيجة هذا الصراع (الاديب المصري يوسف السباعي ، والكاتب والمفكر فرج فودة ، والمؤرخ جمال حمدان ، والروائي غسان كنفاني ، ورسام الكاريكاتير ناجي العلي وغيرهم) والبعض تعرض للضرب والضرب ومحاولات الاغتيال ولعل الاديب المصري الكبير نجيب محفوظ يقف في مقدمتهم والذي تعرض للضرب ومحاولة لاغتياله بسبب روايته ( أولاد حارتنا ) ، والبعض الآخر لجأ الى الكتابة تحت اسم مستعار كما حصل للروائي ( ستيفن كينج ) الذي اتخذ اسما مستعارا ( ريتشارد باكمان ) وكذلك ( دين كونتز ) الذي كتب تحت عدة اسماء مستعارة ، وفي تاريخ الادب العربي نجد بعض الادباء دخلوا الى المحاكم بتهمة المساس بالحكومات او الخروج عن الاعراف كما حصل للشاعر العراقي حسين مردان .
عام 1950 عقدت محكمة بغداد الاولى جلستها لمحاكمة الشاعر حسين مردان بسبب ديوانه ( قصائد عارية ).
ثقافة الزوراء تنشر ما دار في قاعة المحكمة:
“في اليوم السادس والعشرين من حزيران 1950 ، عقدت محكمة جزاء بغداد الاُولى جلستها الاُولى لمحاكمة الشاعر حسين مردان عن ديوان قصائد عارية ، وقد تقاطر عدد كبير من الاُدباء الشباب الى ساحة المحاكم لمشاهدة هذه المحاكمة.
ومن ثم توجه الحاكم الى المتهم ببعض الأسئلة ، وتولى الشاعر الرد عليها ، وكان بينها سؤال عن سر تسمية الشاعر لديوانه بِـ“قصائد عارية ”. وقد رد على ذلك بقوله : إن الشاعر يجب أن يكون صريحا في تعبيره عمّا يختلج في نفسه. «ولم أتوخّ َ في قصائدي إلا إظهار الحقائق عارية ليتبينها الناس».
ثم توجه الحاكم بسؤال عما إذا كان في الأدب العربي القديم صراحة في مثل هذا الموضوع . فعدد له المتهم بعض الأمثلة ، ثم اُجـِّـلتْ المحاكمة .
وفي الجلسة الثانية استمعت المحكمة الى دفاع وكيل الشاعر المحامي صفاء الاورفلي:
الدفاع
سعادة حاكم جزاء بغداد المحترم
سيق موَكّلي حسين مردان الى محكمتكم الموقّرة وفق المادة 204 ق . ع. ب ، وذلك لنشره قصائد نشرت تحت اسم قصائد عارية .
إنّ فعل موكلي لا ينطبق على نص المادة 204 وذلك لأن ما نشره موكلي ليس مخلا بالآداب ، وليس القصد منه نشر اُمور مخلّة بالآداب بين الناس .
إن موكّلي رجل أديب ، ولكل أديب طابعه الخاص . فهناك من يريد نشر الفضيلة بذكر ماهية الفضيلة ، وهناك من يرى أن نشر الفضيلة قد يكون بالتطرق الى الرذيلة . وأمامنا قصة مدام بوفاري لمؤلفها الكاتب الفرنسي جوستاف فلوبير ، فقد اُثيرت هذه القضية أمام القضاء ، وادعى الادعاء العام على أنها قصة قصد مؤلفها عرض الرذيلة . إلا أن القضاء العادل لم يأخذ بهذا الرأي واُفرج عن المؤلف لسببين
1ـ حسن نية المؤلف والناشر.
2ـ اعتبرت المحكمة نشر هذه الآراء وسيلة لـتـُفهم الناس معنى الفضيلة.
إن الأدب المكشوف فن كبقية الفنون ، ولو لم يكن كذلك لما وجدناه يُدرّس في كلية الآداب للذكور والإناث على السواء ، ولما وجدنا كتب الأدب العربي التي تُدرّس في مدارسنا تتطرق إليه ، وتذكر نماذج منه ، ولما وجدنا في مكتبات العالم وفي مكتباتنا العامة دواوين شعراء الأدب المكشوف …
قلت : إن الأدب المكشوف فن ، كما ان فن النحت فن ، وفن التصوير فن . وإننا لنجد في أسواق العراق وكل أسواق العالم والبيوتات الراقية في العراق وغير العراق من أنحاء العالم تماثيل عارية لأجسام عارية ، نحتها أو رسمها نحّاتون عالميون، فاذا كان في كل ما ذكرت مخالفة للآداب العامة فليتفضل الادعاء العام ويسوق أساتذة المدارس ووزارة المعارف ومَن عرض في محله التجاري تماثيل أو صورا عارية وفق المادة 204 من قانون العقوبات البغدادي. ولنترك الأدب والفن قليلا ونتصفح كتب علم النفس الجنائي التي تتطرق الى الأمراض النفسية ، الجنسية منها وغير الجنسية ، نرَ ما فيها من أمثال واقعية عن المصابين بالشذوذ الجنسي ، ذكرت بصراحة متناهية . فهل تعتبر مثل هذه الكتب مخالفة للآداب …؟.
إن هذه الكتب درسناها وتدرس لحد الآن ، ولا تخلو مكتبة مفيدة من بعضها. فهل نشر هذه الكتب وبيعها ينطبق عليه نص المادة 204 من ق . ع. ب ؟
إني متأكد من أن الجواب على كلّ ذلك لا يكون بالنفي . وأعتقد بأن سعادة ممثل القضاء العادل يشاركني الرأي . وإني لا أرى فرقا بين نشر قصائد الأدب المكشوف وبين نشر كتب علم النفس التي فيها أمثال كثيرة عن الشذوذ الجنسي . فالأدب المكشوف فن من الفنون ، وعلم النفس علم من العلوم ، وليس في نشر الأدب المكشوف ، كما ليس فيما كُتب من كتب علم النفس ، تحريض على الفسق والفجور ، وخصوصا والجريمة تنتفي مادام القصد الجنائي الذي هو تحريض الناس على الفسق والفجور بنشر امور مخلّة بالآداب معدوما ً .
والأدب المكشوف ليس بجديد، فلو رجعنا مئات السنين الى الوراء لو جدنا كتبا وقصائد ظهرت في زمن ازدهار الإسلام ، في زمن كان للدين سطوته ، ومع ذلك لم يقتص قضاة ذلك العهد من الشعراء الذين نظموا في الشعر المكشوف بل كان خلفاء ذلك العهد يتذوقون مثل تلك القصائد ، ويكرمون الشعراء من أجلها .
هذا في الماضي ، أما في وقتنا الحاضر فلو تجولنا في الأسواق لوجدنا الكثير من الكتب الحديثة التي فيها من الأدب المكشوف أكثر مما ذهب اليه موكّلي في قصائده . وهذه الكتب منها اللبنانية والمصرية والعراقية ،كديوان أفاعي الفردوس للشاعر الياس أبو شبكة الذي اُعيد طبعه سنة 1948 ، وديوان أغاريد الربيع للشاعر فؤاد بليبل الذي أجازت مديرية الدعاية العامة دخولها الى العراق وبيعها في الأسواق وكذلك نجد في ديوان الرصافي والزهاوي مثل هذا النوع من الشعر .
إن الادب المكشوف نوع من الأدب الراقي، فاذا كانت القصيدة من نوع الأدب المكشوف فلا يعني كون تلك القصيدة مخالفة للآداب ، ولا يعني أن نشرها وتوزيعها يقصد منه نشر الرذيلة بين الناس .
إن موكلي أراد أن يفهم الناس ماهية الرذيلة ، فللرذيلة ستار برّاق يجلب من كانت تجاربه في الحياة قليلة ، واطلاعه على الرذيلة اطّلاعا محدودا . فمتى ما اطلع قليل الدراية على مثل هذه القصائد التي صوّرت الرذيلة كما هي بصراحة متناهية ، كاشفة الستار الجذاب عنها اشمأزت نفسه منها ، وتمسّك بالفضيلة، وهذا ما قصده موكلي من نشر هذا الديوان موضوع الدعوى . فما أراده موكلي من نشر هذه القصائد ليس نشر امور مخلة بالآداب بل أراد محاربة الرذيلة عن طريق الرذيلة ذاتها . وقد يكون دواء الداء من نفس الداء . وعقده في ذلك كمثل الاستاذ الذي يؤلف كتابا في الشذوذ الجنسي ، فليس ذلك المؤلف يريد بكتابه التحريض على ارتكاب جرائم الشذوذ الجنسي إنما يريد خدمة العلم. وموكلي أراد من ديوانه خدمة الأدب العربي والمجتمع . واضيف على ذلك مناقشة ناحيتين مهمتين : الاولى خاصة بالدستور ونصّه على أن دين الدولة هو الاسلام ، فبالرغم من هذا النص ، فإن المشرّع العراقي أجاز للمصلحة العامة اُمورا تخالف أحكام الدين الإسلامي كبيع الخمر والبغاء العلني . والناحية الثانية هي : هل يجوز للأديب أن يكتب ما يُعَد تخطيا ً لحدود المستوى العام العقلي للمجموع ؟ وجوابه أن الأديب يكتب للمجموع الحالي كمنقذ ومفكر، وقد يسبق عصره بقرون . وما عالم الأدب بخافٍ على سعادة ممثل القضاء العادل .
لهذا أطلب من محكمتكم الموقـّـرة الإفراج عن موكّلي .
المحامي : السيد صفاء الاورفلي
وبعد ذلك قرر الحاكم أن تلتجئ المحكمة الى لجنة أدبية من كبار اُدباء العراق لغرض دراسة الديوان وتقديم تقرير عنه قبل صدور القرار .
وفي اليوم التاسع من شهر تموز عام 1950 ، عقدت المحكمة جلستها الثالثة، وبعد تلاوة قرار اللجنة الأدبية قررت المحكمة الإفراج عن الشاعر وديوانه .
القرار
لعدم توفر أركان الجريمة ضد المتهم السيد حسين مردان ، قررت المحكمة الإفراج عنه وفق المادة 155 من قانون أصول المحاكمات واُفهم علنا .
حاكم جزاء بغداد الاولى
26 تموز 1950.

About alzawraapaper

مدير الموقع