ثقافة”الزوراء” تدخل (عالم بلا خرائط)

ثقافة"الزوراء" تدخل (عالم بلا خرائط)

ثقافة”الزوراء” تدخل (عالم بلا خرائط)

ثقافة الزوراء
الرعب / الجنون / القتل / القفز فوق النيران / التمرغ على الجمر / الانطلاق نحو الخلف لنبش الماضي والهروب الى الامام بعزيمة منهارة / الالسن الطويلة التي تدعي المقاومة دون فعل والفعل القوي الذي لا يعرف التهريج / منلوجات ساخنة تتصارع وسط عالم لا يعرف الخرائط ولا الحدود / عالم يسير متعكزا على فوضى الاحداث ومستندا الى اعراف لا تقترب من العقل / دنيا تتعثر بين الاعتراف والانكار والبراءة / تدوين لسيرة وتوثيق لحدث / نجوى العامري المشتعل دمها بوقود التحدي والمغامرة يدفعها نسبها المعطوب الى ممارسة الرذيلة (نجوى العامري ليست مجرد امرأة ، ليست فقط تلك الابتسامة التي تذيب العظام، انها لا تبقي الانسان عاقلا اذا نظر الى عينيها . ص135) هكذا يراها علاء نجيب (من اين جاءت نجوى اذن ؟ من اعماق الجحيم الملتهبة ، من اعماق الشلالات الصاخبة ، من نسمات تموز القائظة ، من زوابع شباط الهادرة ، من …… الخ ص48) علاء الدين نجيب المصاب بمرض غامض يقرر ترك الدواء ويبتعد عن الاكل المخصص له دون معرفة السبب الحقيقي لهذا القرار (منذ هذه اللحظة لن اتناول أي نوع من الدواء ، لا تقل لي كلمة واحدة، كل ما اريده الأن هو أن تجمع هذه الادوية التي رميتها من النافذة ، ان تجمعها وتدفنها أو تحرقها ، المهم ان لا أراها مرة أخرى ص24) كيف حصل هذا ؟ ولماذا اتخذ علاء هذا القرار ؟ وكيف يتجاهل النتائج المتوقعة من تركه للدواء ؟ اسئلة لا تعرف اجابات واضحة ما دام فضاء الرواية العام قائم على المغامرة / علاء الدين نجيب سليم الاستاذ في اكاديمية الفنون الجميلة وخط الحريق الممتد من نجوى العامري الى عائلته الى ميادة ورحلة الفوضى والتحدي تشكل الفضاء الروائي بكل تشابكاته / العمة نصرت التي تؤكد (دماء العائلة .. لقد تركت خطا عميقا ، انه لا يظهر في الملامح .. لا تراه العين بسهولة . ص91) هذه العمّة الغريبة الاطوار والتي قضت عمرها متشبثة بهواجسها وبتاريخ عائلتها ، والانصياع لقرارات مخيلتها : (قالت وهي تمسك كتفي ، وتهزني :
ــ اذبح يا علاء .. الدم يطهر كل شيء .. اذبح !
رددتُ وراءها باستغراب وتساؤل :
ــ اذبح ؟ أذبح ماذا ؟
ــ اذبح خروفا .. ديكا .. المهم ان ينزل الدم .
قلتُ بنفاذ ، وقد بدأت اللعبة تثيرني وتضايقني :
ــ استريحي في غرفتك وسوف اغرق البيت كله بالدماء ص106)
الخال حسام الرعد ورحلة الثراء التي انتهت به الى الفقر والعوز ، كان خياله أكبر من واقعه ، طموحه أوسع من قدراته ، رحلة الخال حسام الرعد كما يدونها ابن اخته علاء الدين نجيب : (انه اليوم الذي دخل علينا خالي حسام الرعد . طويل ، وسيم ، في اوائل الثلاثينات من عمره ، لا تتسع الدنيا لمرحه يجيئنا في سيارة سبورت قديمة الخ ص144) (أو يأتينا راكبا حصانا ويركبني امامه على الحصان ، وأمي تعترض خوفا علي ، وخالي يقول : اسمع يا علاء ، اذا لم تكن فارسا ، فأنت لست شيئا ، عالم بلا فروسية لا يساوي فلسا أحمر . أتفهم ؟ ص144) (يقول ابي مازحا : حسام تزوج الخيل، ويقول حسام ، وهو يقتاد باللجام مهرته الشقراء المحببة لمعة الى خارج الاسطبل : بشرفك ابو صفاء ، هل في الدنيا امرأة في جمالها ؟ ص144) (كان خالي حسام قد ذهب للدراسة في الجامعة الاميركية ببيروت، ولم اعرف بالضبط ما الذي درس . ص145) وتستمر الرحلة ، رحلة رجل عشق الخيل والشعر دون ان يمتلك خرائط لحياة تعتمد على مفردات واقعه (اكتشفت ان خالي لم يبق له من الخيل ما كان لديه من قبل . وأخبرتني امي انه اضطر في العام الاسبق الى بيع مزرعته الصغيرة . ص148) وتستمر خيبات الخال وتتشابك الأحداث وتمر سريعا على عاشق الخيل :(باع بيته ، واستأجر منزلا متواضعا ، وصرنا لا نراه عندنا الا مرة في الاسبوع . ص 153) ثم تستمر حياة الخال حسام الرعد بالنزول : (في ظهيرة يوم بارد، كنت احاضر في الصف المنتهي من الاكاديمية … واذا بسكرتيرة العميد تدخل علي ، وتهمس بان العميد يريد ان يراني في غرفته فاعتذرت للطلاب عن قطع المحاضرة ، ورافقت السكرتيرة الى غرفة العميد ، واذا حسام الرعد جالس يتحدث اليه … كان حسام يرتدي معطفا طويلا اسود ، معفرا ممزقا عند الكتف والجيوب ، تنسل منه الخيوط، كانت ذقنه الشيباء طويلة ، لم تحلق لأكثر من اسبوع ، وهو يضع ساقا على ساق ، فترى ، عند نهايات المعطف الرثة ، خروق في البنطلون الرصاصي الملوث برقطات من الصبغ ، وقد ارتفع عن كاحلين بدون جوارب ، وفي قدميه نعلان قديمان . 172) وتنتهي حياة الخال حسام الرعد بطريقة مفجعة مأساوية في حجرة مظلمة في مطبعة جريدة ( الميزان ) : (كان حسام نائما نوما عميقا ووجهه ابيض ، بياض شعره . استيقظ بعد قليل ، وطلب ماء، وما كاد يشرب الماء ، دالقا معظمه على جوانب فمه ، وهو لا يعرف من نحن اللذان بجانبه ، حتى اضطرب تنفسه .. وبغتة ، شهق شهقة عالية ، رهيبة ، ورفع ذراعيه وهما تتلويان في الفضاء، ثم سقطتا كحجرين الى جانبه ، هامدتين . ص 284)
رواية (عالم بلا خرائط) كتبها اثنان من أبرز الروائيين العرب ، الروائي والشاعر والرسام جبرا ابراهيم جبرا والروائي الكبير عبد الرحمن منيف ، وهذا العمل المشترك يكاد الوحيد في عالم التأليف ، فلم نقرأ يوما رواية اشترك فيها اثنان ، ولم نقرأ رواية يصعب فيها التمييز بين قلم روائي وقلم آخر اشترك معه في عمل واحد ، واذا ما حصل شك في معرفة قلم الكاتب الذي كتب هذا الفصل أو ذاك فإننا نحتاج الى دليل واضح فطبيعة الشكوك لا تأتي من فراغ ، كما انها تقودنا الى اليقين لو توفرت الحجة البليغة والبرهان القوي .
اعتمدت رواية (عالم بلا خرائط) على اماكن تخيلية فأضافت متاهة أخرى الى المتاهات التي تضح بها صفحات الرواية ، مدينة (عمورية) التي كانت مسرحا لأحداث الرواية ، أين تقع ؟ وما هي حدودها ؟ الزمن في الرواية لا يمكن الاستدلال به على معرفة المكان، وغيرها من المدن المذكورة ، ربما يضعنا امام احتمالات عديدة الا اننا لا يمكن الجزم على صحتها ومعرفتها (المجنونة / عين فجار / المطلة) .
جبرا ابراهيم جبرا ، الروائي والمترجم والناقد يمكن ان نضع اعماله الروائية (صراخ في ليل طويل) و (البحث عن وليد مسعود) و (يوميات سراب عفان) بمثابة بوصلة للتعرف من خلالها على رحلة (أدهم) في الرواية والتحاقه بمعسكرات الفدائيين كون القضية الفلسطينية كانت حاضرة بقوة في اعماله المذكورة ، وكون المؤلف ولد في بيت لحم وكان شاهدا على الاحداث التي مرت بها المنطقة ، ولكن هل نستطيع التمسك بهذا الرأي بقوة اذا ما عرفنا ان الروائي الذي اشترك معه في كتابة الرواية قد كتب هو الآخر عن ثيمات لها علاقة وثيقة بهذا الجانب ، خصوصا ما يتعلق بالمنفى .
عبد الرحمن منيف الذي يمكن أن نضع أعماله الروائية التي لها علاقة برواية (عالم بلا خرائط) وهي : (شرق المتوسط) و(النهايات) و (سباق المسافات الطويلة) و (أرض السواد) وغيرها لالتقاط اشارات حول موقع أحداث الرواية (عمورية) وأين تقع هذه المدينة التي أفرزها الخيال ، هناك اشارات على انها في السعودية وأخرى في الشام وثالثة في العراق ، ومع كثرة الاحتمالات لا نصل الى قناعة نطمئن اليها . ما يميز رواية (عالم بلا خرائط) انها اعتمدت على شخصيات متحررة في علاقاتها مع بعضها الا بمقدار العلاقات التي تحرك سير الاحداث، بمعنى انها اعتمدت على التجريب الذي أبعد الرواية عن المسار التقليدي القائم على تطور الحدث الواحد ، فقد خرجت الينا غنية دسمة ببنيتها السردية والدلالية ، ولغة السرد وتعدد طبقاته في بناء شخصيات الرواية.

About alzawraapaper

مدير الموقع