تونس الانتخابات البلدية موقف من المقاطعة

بشير الحامدي

بشير الحامدي

هل ستذهب لانتخاب مجالس بلدية تعرف أنها لن توطد سوى نفوذ البيروقراطيات الحزبية الاقوى بمنحها تأشيرة فرض سياساتها فيما يخص تدبير الشأن المحلي أم أنها ستقاطع وهي تعلم أن مقاطعتها ستكون عملية سلبية بما أنها لا يمكن أن تفضي إلى إسقاط المشروع الزائف برمته أي وقف الانتخابات بكل السبل.
كيف ستدافع هذه الأغلبية عن كل حقوقها في وجه الأقلية المنقلبة المنظمة جدّا والمحمية بالسلاح و الاعلام والمرتزقة من كل لون؟
في 2011 قامت هيئة بن عاشور الهيئة المسماة و التي عبرها ستعمل قوى الثورة المضادة على ترميم نظام بن علي ووقف كل تجذر بعملية التخطيط لمصادرة كل إمكانية لسيادة الاغلبية على القرار وعاضدتها في ذلك البيروقراطية النقابية التي تشبثت إلى آخر لحظة بامتيازاتها وعلاقتها بالدولة و بالأعراف الرأسماليين على الارتباط بالمسار الثوري و أحزاب ومجموعات من معارضات بن علي الرسمية وغير الرسمية من الديمقراطيين واليساريين قوميين وماركسيين ليتوج الطور الاول للانقلاب بتنظيم انتخابات 2011 ليصل بعدها حزب حركة النهضة للحكم .
لم يكن من هدف لسياسة الانتقال الديمقراطي والتي بدأت بتنصيب حكومة الغنوشي الأولى مرورا إلى انتخابات ما يسمى المجلس التأسيسي ثم انتخابات 2014 وصولا إلى الانتخابات البلدية المقررة في ديسمبر 2017 والتي بدورها ستمهد للانتخابات 2019 التي تعتبر محطة مصيرية في مشروع الانقلاب الديمقراطي. قلت لم يكن من هدف لسياسة الانتقال الديمقراطي بكل محطاتها التي ذكرت سوى وقف كل إمكانية لتواصل مسار 17 ديسمبر وفك كل التعبئات المقاومة المناهضة للانقلاب وتجريمها تكريسا لاستراتيجية مصادرة كل إمكانية للسيادة على القرار وللسيادة على الثروة والموارد والتخطيط ووو.
الانتقال الديمقراطي هو في الأخير ليس سوى كل هذا الذي يجري داخل ـ السيستام ـ والذي تجسده الصراعات الحزبية والتحالفات الانتخابية والتكتلات السياسية الوقتية والسياسات الاقتصادية والاجتماعية المتواصلة مع كل الحكومات التي نصبت منذ حكومة الغنوشي الأولى وهو كذلك صراع الاجهزة الإدارية والأجهزة الحاملة للسلاح في كل مؤسسات الدولة وفي الإعلام وصراعات الحكومة والمعارضة الذي يعكس بشكل سافر وجلي صراعات كتل النفوذ داخل عصابة الانقلاب .
انتخاب المجلس التأسيسي كان وهذا لا يمكن نكرانه للتلهية باسم كتابة دستور وارساء مؤسسات للانتقال الديمقراطي
سيادة الاغلبية على قرارها هذا الطرح لم يكن واردا بالمرة الحديث عنه ولا حتى التفكير فيه.
في 2011 و إلى ما قبل أكتوبر كانت القوى تكاد تكون لصالح قوى 17 ديسمبر من حيث القدرة على التعبئة والتثوير وعلى قلب الأمور جميعا ولكن للأسف لا أحد كان يعي أن أي تراجع سيكون نقطة اللاعودة بالنسبة لتجذير المسار الثوري .
وتواصل المسار ولكن متعثرا غامضا مرتبكا مفرغا من كل محتوى مؤسس.
وقتها لم يكن أحد يتكلم عن سيادة الأغلبية على قرارها كان الكل يبحث في حركة غبية جدا عن سيادة حزبه أو مجموعته.
وبقدر ما كان مسار 17 ديسمبر مسارا من خارج التنظيمات الحزبية الهرمية البيروقراطية ومن خارج المدارس الأيديولوجية كلها لا إسلام ولا ماركسية ولا قومية بقدر ما ارتكس إلى مسار تهيمن عليه هذه المدارس وتوظفه وتستمد شرعيتها من شرعيته .
قد نفهم انقلاب الأقلية الطبقة العميلة الوكيلة المرتبطة بالقوى الاستعمارية على المسار الثوري ولكن فهم كيف انقلب عليه حتى أغلب الفاعلين فيه فذلك ما يتطلب كثيرا من الجهد .
أغلب الفاعلين في 17 ديسمبر إنكفؤوا بعد القصبة 1 والقصبة 2 وتوقفوا عن الفعل من أجل الحركة ككل والتي كانت تحتاج نشاطهم الواعي لرسم استقلاليتها التنظيمية والسياسية عن النظام ومؤسساته إلى الفعل من أجل بناء أحزابهم الصغيرة ومجموعاتهم القزمية وهو أمر ضرب الحركة في مقتل حيث حكم ذلك التوجه بالموت المؤجل على المولود الجديد الذي مازال يصارع من أجل الحياة في الحركة .
17 ديسمبر فوّت لحظة تاريخية وهي فرض الاستقلالية التنظيمية والسياسية لجماهير الأغلبية عن النظام وبذلك سلم فاعلوه الحركة لأعدائها وللمتآمرين عليها ولكل الذين يدعون تمثيلها أي لقوى الثورة المضادة أي لقوى الانقلاب الديمقراطي.
قوى الانقلاب الديمقراطي ليست فقط القوى التي في السلطة إنها أيضا تلك التي في ما يسمى بالمعارضة
إنها كل القوى التي استبدلت استقلالية الحركة بالادعاء بتمثيل لحركة في مؤسسات النظام.
إنها كل القوى التي عارضت و أحبطت كل إمكانيات الانتظام المستقل للحركة من أجل ببعض الانتظاميات الحزبية والجمعياتية بوهم أنه لا يجب القفز عن مرحلة الحريات الديمقراطية.
إنها كل القوى التي خيرت التواجد في مؤسسات النظام على دفع الأغلبية لتأسيس هيئات قرارها المستقل على أنقاض مؤسسات النظام.
إنها أخيرا كل القوى التي تبنت سياسات الانتقال الديمقراطي أي تلك القوى التي تبنت مفهوم الدولة المدنية ومفهوم الاحتكام للدستور ومفهوم الديمقراطية التمثيلية ومفهوم الوصول للسلطة عبر الانتخابات.
ولأن الفاعلين في الحركة وقع احتواء نسبة كبيرة منهم داخل الأحزاب والجمعيات التي لا يتعدى سقف مشروعها السياسي سقف مشروع الانتقال الديمقراطي رأينا ضمورا في التحركات وانخراما في ميزان القوى بين الحركة الجماهيرية قوى الثورة المضادة وغيابا كليا لأي قدرة على المراكمة في اتجاه استقلالية الأغلبية ضاعف منه العجز الذي عليه الخدامة والبطالة والشبيبة وعدم قدرتهم على فرض إنتظامات مستقلة وسياسات راديكالية ومستقلة.
وعليه فقد بقي دائما المحدد سياسيا وتنظيميا دائما بالنسبة للأغلبية هو رفض مسار الانتقال الديمقراطي وسياسات الانتقال الديمقراطي و آلياتها والمقاومة من أجل الاستقلالية التنظيمية والسياسية عن النظام و أجهزته.
تعد الانتخابات أحد أهم الآليات التي تدعى قوى الانقلاب أنه بواسطتها تحقق الجماهير سيادتها على قرارها ومشاركتها السياسية في الحكم ووو..
دعنا من نقاش حقيقة الانتخابات في النظام الرأسمالي وفي الديمقراطيات البرجوازية وما يقوله مجمع اللبراليون عن ديمقراطيتهم ولنهتم بمناقشة الموقف الواجب اتخاذه من الانتخابات البلدية التي ستنظم في شهر ديسمبر هل سندعو الجماهير للمشاركة أم سندعوها للمقاطعة أم ترى هناك موقف ثالث ؟
منذ عشريات وأثناء حكم الديكتاتور بن علي دأبت المعارضات الراديكالية وحتى غير الراديكالية على مقاطعة الانتخابات التي يدعو إليها النظام وراجت كثيرا عبارة المقاطعة والمقاطعة النشيطة ولكنها في الحقيقة لم تكن مقاطعة ولو مرة نشيطة حيث كان المقاطعون دائما يكتفون بإصدار بيان يتم فيما بعد ترويجه بالطرق الممكنة يدعو إلى مقاطعة الانتخابات وتتوقف العملية عند هذه الحدود.
اختلف الوضع فليلا أثناء 2011 و 2014 حيث وقع تنظيم جزئي للمقاطعة عبر التقاء أحزاب ومجموعات سياسية متعددة سواء بمناسبة انتخابات 2011 أو انتخابات 2014 اتفقت كلها على الدعاية والتحريض على مقاطعة الانتخابات إلا أن نشاطاتها لم تتطور إلى محاولات جريئة للتظاهر يوم الانتخابات أو لتنظيم أنشطة تعرقل وتوقف عملية الانتخاب يوم الانتخاب.
لقد كانت المقاطعة كما مارستها بعض القوى الجذرية الراديكالية في السابق عملية بلا جدوى سياسية لم يتجاوز صداها بعض الأفراد والحلقات الصغيرة المعزولة وغير المؤثرة .
لسنا بصدد مناقشة موقف المقاطعة في حد ذاته فانتخابات تنظمها قوى الانقلاب لا يمكن أن تقبل من وجهة نظر مقاومة أو تقع الدعوة للانخراط فيها تحت أي مبرر كان ولكننا نناقش الموقف من حيث جدواه ونتائجه السياسية.
المقاطعة اليوم يجب أن تتجاوز مجرد أن تكون فعلا بلا جدوى بما أننا لا نقدر على عملية وقفها وتحويلها إلى أزمة في قلب النظام.
المقاطعة اليوم تفترض أن ترتقي إلى مقاطعة كل سياسات الانتقال الديمقراطي.
المفروض أن نعترض ليس فقط على الانتخابات المفروض أن نعترض على كل سياسات الانتقال الديمقراطي وننتظم ونتوحد على قاعدة هذا المشترك.
المفروض أن نعترض على سياسات المصالحة والتطبيع مع الفاسدين والفساد
المفروض أن نعترض على سياسات التداين وعلى سياسات التقشف وسياسات الخضوع لإملاءات البنوك الدولية
المفروض أن نعترض على سياسات الارتباط بالقوى الأجنبية
المقاطعة مفترض اليوم أن تكون على قاعدة سياسة بديلة وانتظام بديل
المقاطعة مفترض اليوم أن تكون مقاطعة لكل سياسات الانتقال الديمقراطي والتوحد للإطاحة بها .
المقاطعة اليوم يجب أن تكون من أجل فصل ما يمكن فصله من الجماهير عن النظام وسياسات الانتقال الديمقراطي من أجل السيادة على القرار وعلى الثروات والموارد ووو
المقاطعة اليوم يجب أن تكرس لتحقيق استقلالية الجماهير التنظيمية والسياسية عن النظام
المقاطعة اليوم يجب أن تجمعنا على أفق التأسيس لحركة مقاومة مستقلة موحدة في كامل أنحاء البلاد.

About alzawraapaper

مدير الموقع