تهمة على مقاس جميع الصحفيين….رقابة على الأخبار المفبركة أم عودة إلى الرقابة على كل الأخبار

لندن/متابعة الزوراء:
تحولت الأخبار الكاذبة والشائعات طيلة السنوات الماضية إلى آلة حرب ودعاية ما بين الدول وداخلها، استهدفت الأمن والاقتصاد والفوضى وبث الكراهية والتحريض على العنف بسبب ادعاءات زائفة، وبلغت أرقاما غير مسبوقة مع انتشار فايروس كورونا وموجة الشائعات التي رافقته إلى درجة أن خبراء إعلام اعتبروا الأخبار الكاذبة فايروس أخطر من فايروس كورونا.
ومنحت فوضى المعلومات المضللة والشائعات، الحكومات والدول حقا مشروعا لمحاربة الأخبار الكاذبة على وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي التي واجهت بدورها اتهامات متصاعدة بإفساح المجال لبث التضليل على منصاتها ومطالبات بوضع حد لها، لكن بعض هذه التشريعات استخدمت لأهداف أخرى خصوصا في الدول المعروفة بفرضها رقابة مشددة على الصحافة ووسائل الإعلام والمدونين.
وأقرت العديد من الحكومات تشريعات لمعاقبة مروجي الأخبار الكاذبة تراوحت بين الغرامات والسجن وإغلاق المنابر الإعلامية وحظر الحسابات الاجتماعية، وتعاملت مع انتشار الأخبار الكاذبة باعتبارها خطراً يهدد أمن البلدان وسلامة مواطنيها.
وقد جددت النيابة العامة السعودية الجمعة تحذيرها لمطلقي الشائعات وناشري المعلومات والأخبار الكاذبة وكل ما من شأنه تضليل المجتمع أو المساس بأمنه الصحي والمجتمعي أو إثارة طمأنينة أفراده وسكينتهم.
وأضافت أنه في حال اقتراف هذه الأفعال الآثمة عبر منصات التواصل الاجتماعي فإنها غدت من الجرائم الكبيرة الموجبة للتوقيف. وشمل التحذير “إنتاج الشائعات أو إعدادها أو إرسالها أو تخزينها”.
ووفقا للسلطات، فسيتم تطبيق عقوبات بحق من يثبت تورطه بالترويج للشائعات، بما يشمل السجن لفترة تصل خمس سنوات، وغرامة تصل حتى ثلاثة ملايين ريال، بالإضافة إلى نشر الحكم في الصحف على نفقة المتورط. وأشارت النيابة العامة إلى إجراءات سيتم اتخاذها، تتضمن مصادرة الأجهزة المستخدمة في الجريمة.
ولا يختلف الأمر كثيرا في غالبية الدول العربية إذ أقرت قوانين ضد نشر الأخبار الكاذبة بعقوبات مختلفة، فسبق أن أعلنت النيابة العامة المصرية، في مارس2020 أنها ستعاقب مروجي الشائعات والبيانات والأخبار الكاذبة بالحبس لمدة تصل إلى خمس سنوات وغرامة مالية، حسبما أفادت الهيئة الوطنية للإعلام.
ويرى بعض الناشطين ومنظمات حقوقية أنّ مشكلة التشريعات التي تجرم الأخبار الكاذبة أنها تحوي مواد فضفاضة غير محددة يمكن استخدامها بسهولة ضد الصحفيين ووسائل الإعلام لفرض الرقابة عليهم وتقييد التغطيات الإخبارية التي لا تناسب الحكومات.
وقد تحولت تهمة نشر الأخبار الكاذبة إلى وسيلة انتقام من الصحفيين المعارضين للحكومة كما يحدث بشكل متواصل في دول مثل تركيا التي لا يكاد يمر يوم دون أن توجه فيه تهمة مماثلة لصحفي أو ناشط أو وسيلة إعلام، كما حظرت المئات من المواقع الإخبارية تحت هذه الذريعة بحسب ما أكد صحفيون أتراك على مواقع التواصل الاجتماعي.
وتثير ملاحقة الناشطين والصحفيين في زمن تفشي فايروس كورونا بتهم مختلفة تتعلق بنشر أخبار كاذبة عن الأزمة، تساؤلات حول ما إذا كانت السلطات في دول عربية تستغل ظروف الحجر للتضييق على المعارضين والمنتقدين، خصوصاً وأن بعضها أقرت قوانين جديدة خلال الأزمة الصحية تثير العديد من الانتقادات من الجمعيات الحقوقية، وقد تم استخدام هذه التهمة ضد معارضين سياسيين كما حدث لناشطي الحراك الجزائري.
وقالت لجنة حماية الصحفيين في تقريرها السنوي لعام 2020 إنه مع اتخاذ الحكام المستبدين من لغة “الأخبار الكاذبة” مسوغاً لتبرير أعمالهم، ظل عدد الصحفيين الذين يُسجنون بتهمة نشر “أخبار كاذبة” يرتفع بثبات. فقد سُجن 34 صحفياً بسبب نشر “أخبار كاذبة” مقارنة بـ31 صحفيا في العام السابق. وأشارت إلى أنّ جميع الصحفيين تقريباً المحبوسين في شتى بلدان العالم هم من المواطنين الذين غطوا أخبار بلدانهم.
بدورها ذكرت، منظمة “هيومن رايتس ووتش” أن 83 حكومة على الأقل حول العالم استغلّت الوباء الناتج عن فايروس “كورونا” لتبرير انتهاك حرية التعبير والتجمع السلمي وسنّت قوانين فضفاضة تُجرّم التعبير الذي تزعم أنه يهدد الصحة العامة.
وهاجمت السلطات المنتقدين، واحتجزتهم وحاكمتهم وفي بعض الحالات قتلتهم، كما فضّت احتجاجات سلمية وأغلقت وسائل إعلامية، ومن بين الضحايا صحفيون ونشطاء وجماعات سياسية معارضة، وآخرون انتقدوا استجابة الحكومات لفايروس كورونا.
وقال جيري سمبسون، المدير المشارك للأزمات والنزاعات في “هيومن رايتس ووتش”، “ينبغي على الحكومات التصدي لفايروس كورونا بتشجيع الناس على ارتداء الكمامات، لكن ليس بتكميم أفواههم لمنعهم من الكلام. الضرب والاحتجاز والمحاكمات والرقابة على المنتقدين السلميين تنتهك حقوقا أساسية عدة، منها حرية التعبير، بينما لا تفعل شيئا لوقف الوباء”.
وانخرطت المنصات الاجتماعية في الحرب ضد الأخبار الكاذبة والمعلومات المضللة والشائعات، في مسعى لتبرئة ساحتها بعد أن واجهت انتقادات لا حصر لها بهذا الشأن من قبل الحكومات والدول، ويبدو أنها لم تسلم من اتهامات مضادة بتحولها إلى دكتاتوريات لقمع حرية التعبير.
وأشارت دراسة نُشرت في مارس2020 من قبل باحثين في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا إلى أن التصنيف الانتقائي للأخبار الكاذبة يمكن أن يكون له في الواقع تأثير ضار، يُطلق عليه اسم “تأثير الحقيقة الضمنية”، حيث يبدو المحتوى غير المحدد وغير الخاضع للرقابة، والذي لا يزال خاطئاً بشكل واضح، أكثر شرعية.
وتستعمل تويتر أقوى سلاح لديها وهو إزالة التغريدات وتقييد الحسابات لمنع انتشار المعلومات السياسية الخاطئة لكن المنصة تحاول الحد من هذه العملية قدر الإمكان لتجنب اتهامها بالرقابة.
وكان أبرز مثال على ذلك هو قيامها بتقييد حساب دونالد ترمب جونيور في أواخر يوليو بعد أن شارك مقطع فيديو يظهر فيه أطباء يدلون بادعاءات كاذبة بشأن فايروس كورونا، بما في ذلك أن الكمامة غير ضرورية. وتم تعليق حساب ترامب جونيور لمدة 12 ساعة، مما يعني أنه لم يكن قادراً على التغريد، وأزيل الفيديو من العرض العام.
وكشفت تويتر أيضاً عن مجموعة كبيرة من التحديثات الجديدة التي تهدف تحديداً إلى الحد من انتشار المعلومات المضللة على المنصة قبل الانتخابات، بما في ذلك الجهود المبذولة لوقف التغريدات التي تحتوي على معلومات مضللة من الانتشار السريع.أما فيسبوك أكثر منصات التواصل الاجتماعي استخداماً في الولايات المتحدة. فقد تعرّضت لأكبر قدر من الجدل بعد ضجة انتخابات عام 2016، واتهامها بالسماح للترويج للتضليل وهو ما أوصل الرئيس السابق دونالد ترامب إلى السلطة، لذلك تبذل جهودا مضاعفة في محاولة إبعاد هذه التهمة عنها، غير أنها تواجه صعوبة في هذا الأمر.

About alzawraapaper

مدير الموقع