تقسيم العمل..ثروة أم اغتراب؟

مظهر محمد صالح

مظهر محمد صالح

في يوم من ايام الخريف ،تطلع ذلك الشاب الاسباني على مشهد هائل انعقد امامه قبل ان يغادر مرفا مدينة البندقية الهادئ والجو الرطيب يتسلل بين حنايا النفس بالأسى العذب، ما جعل ابخرة الصراع الناشبة في اعماقه تتكثف وهو يقول في سره ان الحياة لم تخلق الا لتكون مسرحاً للعجائب،وان احزان الدنيا توجد لا لتثبط الهمم ولكن لتسخرها ففي العام 1436ميلادية كان الشاب الاسباني لوركا في مدينة البندقية الايطالية ليرى بنفسه كيف كانت تُسلح دولة-المدينة (البندقية) سفنها الحربية آنذاك.
ولم يخف المنظر المثير للتسلح والتجهيز نفسه في مرفأ البندقية، لذلك فان لوركا شاهد كفاءة العمل بنفسه وهو في طريق عودته الى اسبانيا، يوم كانت البندقية تجهز سفنها الواحدة بعد الاخرى وبسرعة ودقة عاليتين لتكتمل عملية التجهيز بأقل من ساعة. تأمل لوركا الكيفية التي كانت تجهز بها السفن الحربية الاسبانية بالذخائر الحربية والمؤونة اللازمة ليقارن ذلك بما كان يجري في البندقية وهو يضع في ذهنه حقيقة ان الكفاءة في العمل قيمة لا يمكن تجاهلها، فقد لاحظ ان تجهيز السفن الحربية الاسبانية بالذخائر والمؤن يتم مرة واحدة وبحشد بشري من العاملين، في حين كان يجري العكس في البندقية، حيث تُسحب السفينة الى واحدة من القنوات واثناء مرورها امام المرفأ المعني يتولى منتجو السلاح والذخيرة كل حسب اختصاصه بالتجهيز واولويته، اي بدءاً بالاول وانتهاءً بالاخر وعلى طول القناة المذكورة.
لقد سجل لوركا في مفكرته اليومية، كسائح اسباني و الشاهد الاول على العلو الذي بلغه تقسيم العمل و مثلته أوائل خطوط الانتاج في العالم والتي ابتدأتها البندقية في القرن الخامس عشر الميلادي. كما ساعد تقسيم العمل في تقدم الثورة الصناعية الاولى في القرن الثامن عشر والذي مكن بلدان العالم من التحسين المفاجئ في الانتاجية والثروة معاً. لقد عدُ تقسيم العمل بمثابة طريقة انتاج مثلى تقف اليوم وراء كل هدف تصنيعي نتطلع للعناية به ومن ثم تحقيقه.
في كتابه (ثروة الامم) 1776ميلادية قدم آدم سمث، مؤسس علم الاقتصاد الكلاسيكي، مثاله الشهير في قياس الانتاج و الانتاجية الناجمة عن التخصص و تقسيم العمل في مصنع الدبابيس في انكلترا قائلاً: (عندما يجري تصنيع الدبابيس عن طريق العمل اليدوي فأن ما يستطيع ان ينتجه العامل الواحد بنفسه في يوم العمل لا يتعدى دبوساً واحداً. ولكن في مصنع الدبابيس عندما يتم تقسيم العمل بين عددٍ من العمال المتخصصين، حيث يقوم الاول بسحب المعدن ويقوم الثاني بتوتيره باستقامة ، في حين يتولى الثالث قطعه ويتولى الرابع تدبيبه ويقوم الخامس بصقل رأس الدبوس الذي يتطلب عمليتين او ثلاثة وصولاً الى العملية الاخيرة التي يتولاها العامل العاشر.
وان اجمالي العمليات، التي يقوم بها العمال العشرة، تكون بمجموعها ثمانية عشر عملية. وان مجموع ما ينتجه العمال العشرة في يوم العمل الواحد سيبلغ 48 الف دبوس، مما يعني ان انتاجية العمال العشرة قد بلغت 40 الف بالمائة! وبهذا يعظم التخصص وتقسيم العمل الانتاج والانتاجية والنمو الاقتصادي وثروة الامم في آن واحد.
وعلى الرغم مما تقدم وجد آدم سمث ان ثمة مخاطر يتركها التخصص وتقسيم العمل في صورته الشديدة في قدرة العمال على ايجاد فرصة عمل عند البطالة بسبب مهارتهم المقتصرة على لون واحد من العمل ولا سيما عمال المناجم او عمال صناعة السيارات في الوقت الراهن او غيرهم. كما ان قيام العامل المشتغل بتكرار العملية الانتاجية الضيقة نفسها يومياً قد يقود الى التشوش الذهني له وتتسبب في اغتراب العاملين عن بعضهم البعض، وهو الاصطلاح الذي اطلقه آدم سمث واسماه بالاغترابalienation وايده كارل ماركس عند صياغة بيانه الشيوعي المسمى (المنيفستو) ودوره في تاريخ الحركة العمالية في القرن التاسع عشر. كما جسد شارلي شابلن في فيلمه الشهير (الازمنة الحديثة) 1936ميلادية فلسفة الاغتراب في عالم الصناعة ودواليبها الصماء التي لا ترحم وهو يحكي قصة الانسان الذي تتحكم به الآلة او محاولة الآلة بأن تجعل الانسان كائناً يشبهها ويتحرك مثلها لتنسحق براءة الانسانية بها ومن اجلها. وهو الامر الذي كان يحدث اثناء فترة الكساد العظيم في اميركا في مطلع ثلاثينيات القرن الماضي.
ختاما: وبغض النظر عن هذا وذاك، فقد ظل التخصص و تقسيم العمل مصدرإلهام و نمو وتطور في حياة الامم الصناعية الحديثة، ولا يزال يمثل الجزء الاكثر قوة والاشد اهمية في تشكيل المنطق الاقتصادي في تكوين ثروة الامم.

About alzawraapaper

مدير الموقع