تجليات سرد الحياة – قراءة في أدب نجيب محفوظ

للأديب محمد عطية محمود
عرض و تحليل : عاطف عبد العزيز الحناوي
أول ما يواجهك من أي عمل إنما هو العنوان، وعنوان الكتاب الذي بين أيدينا يحمل العديد من الأفكار أوّلها: «سرد الحياة» فهل هذه الإضافة تدل على كون الحكاية وصفا لملامح الحياة وتفاصيلها؟ أي أن هذا هو السرد الذي يصف الحياة ويكشفها, أم تراها تدل على السرد الذي سيبقى على مر الأيام و اندفاع الحياة؟
غلاف الكتاب يكاد يكون أحد أغلفة إبداعات نجيب محفوظ والتي تدل على ملامح وشخوص عالمه الإبداعي الفريد حيث نرى في الغلاف صورة المرأة والشحاذ والدرويش وبعض الحرافيش في صورة مختارة بعناية لتناسب إبداعات محفوظ وموضوع الكتاب
ثم تأتي كلمة «قراءة» نكرة، لتدلنا على أن هذا الكتاب إنما هو قراءة من بين عدد كبير من القراءات التي لا تنقطع حول/ في أدب الكاتب الكبير نجيب محفوظ، ثم تأتي أخيرا إضافة الأدب إلى نجيب محفوظ، هذه الإضافة التي تدلنا على خصوصية الأسلوب والخصائص والملامح، فكأنها حصرية على نجيب محفوظ، و كأننا بإزاء حالة خاصة جدا هي نجيب محفوظ – وهو كذلك بالفعل – فهو – رحمه الله – حالة دائمة التطور والتحول والتجدد عبر مراحله الإبداعية المختلفة منذ بداياته وحتى آخر ما خطه قلمه وفكره، أو ما يمكننا استنباطه وقراءته من بين سطوره الخالدة عبر دراسات ومقاربات لا تنتهي.
أدب نجيب محفوظ ابن الحياة بكل تفاصيلها وتناقضاتها كما أنه صانع للحياة في الآن نفسه كيف لا وهو راصد ومراقب ممتاز ويؤكد ذلك ما يقوله الأستاذ فتحي سلامة في كتابه «أدباء أصدقاء»: إنه في مقهى ريش كان الجميع يتحدثون ونجيب محفوظ يستمع, يحضر في السادسة وينصرف في الثامنة، يشرب فنجانا من القهوة ويستمع إلى كل المتحدثين، وأغلبهم بل معظمهم من الشباب، وأحيانا يأتي بعض الأخوة من العرب يجلسون ويسألون، ولكن نجيب محفوظ لا يسأل ولا يجيب، لكنه يبتسم أو يضع يده على أذنه علامة أنه لا يسمع جيدا.
ويصفه بأنه: يتسم بالحرص الشديد في تعبيراته، وأيضا الحذر الشديد في استخدام المصطلحات، والتردد في إبداء الرأي الصريح، ويحاول دوما الاستفادة من الإنصات للآخرين، وبأنه: رجل عمل صبور، يتقن صنعته، لديه فائض من الإبداع لا يتحدث عنه كثيرا.
وعليه فقد جاء تقسيم كتاب الأستاذ محمد عطية إلى مقدمة وستة فصول عناوينها كالآتي:
1-همس الجنون… همس الحياة والموت
2-دنيا الله والبحث عن خلاص
3-القهوة الخالية والصراع على الحياة
4-خمارة القط الأسود
5-تحت المظلة وعبثية الصراع على الحياة
6-المرأة.. الحياة
وإن عناوين الفصول تعكس بجلاء المضامين والقضايا التي تتناولها إبداعات محفوظ، ولكن ليس مناط الحكم هو المضمون فقط أو الفكرة التي طرحها الأديب وكفى، بل إن مدار الأمر على الصياغة الفنية وقيمتها الجمالية – كما ذهب الجاحظ والجرجاني في تراثنا النقدي.
وتتناول الفصول مدى زمنيا طويلا في مسيرة إبداع نجيب محفوظ القصصية فبدأها بمجموعة «همس الجنون» والتي صدرت في أواخر الثلاثينيات من القرن العشرين وصولا إلى «دنيا الله» في الستينات ثم مجموعة «الفجر الكاذب» في أواخر الثمانينات، إذا فقد سعى محمد عطية لتغطية أكبر مساحة وأكبر قدر من الجماليات والأسلوبيات المتبعة في أدب نجيب محفوظ، عبر تطوره ومسيره الجليل، وقد نجح في ذلك بالفعل، ولكن هنا يبرز سؤال: لماذا لم يقل لنا الكاتب أن هذه قراءة في القصص القصيرة المحفوظية؟ بعضُ التسرع في الحكم قد يوسوس لنا أن هناك خطأ في العنوان/ عنوان الكتاب، أو أن هناك خللا في طرح القضية، ولكن الحق أن ناقدنا قد وُفقَ جدا، لأن هذه الملاحظات الفنية، والقضايا التي تثيرها روايات محفوظ هي نفسها المتضمنة في قصصه القصيرة، فنحن بصدد حالة من التكامل والتآزر في الرؤيا/ الرؤية الفلسفية والاجتماعية والإبداعية على حد سواء، وإن كانت قصصه القصيرة ظلمت نقديا ونجحت جماهيريا كما قال نجيب محفوظ في حوار معه
يؤكد فتحي سلامة على أنه رغم كثرة الدراسات التي تناولت أعمال نجيب محفوظ، فإن عالمه الحقيقي لم يزل عالما بكرا، لم يكتشف بعد، ولذلك نرى محمد عطية يؤكد أن دراسة الإبداع المحفوظي واستجلاب الغالي منه والنفيس يجب ألا تتوقف
يقول محمد عطية: مما لا شك فيه أن الإبداع الساعي إلى الكمال هو الساعي بصورة أو بأخرى إلى تقديم ما يسمى بإعادة تشكيل الواقع ومحاولة بنائه وفقا لرؤية نصية تتفق مع ما يمور بداخل المبدع بالمقارنة مع واقعه المحيط وما يتركه تأثير هذا الواقع داخل نفسه المبدعة، بحيث تتحقق فيه بصورة أو بأخرى مقولة الفيلسوف الفرنسي «مالرو» عن إمكانية تحقيق «نصر خفي على الكون»
ويقول محمد عطية أنه: ثمة اتجاه مختلف يميز مجموعة « دنيا الله» وإن كان يصب – بلا شك – في هذا المجرى الذي حفرته إبداعات نجيب محفوظ مع وضد الحياة، حيث تتلاقى فيها عملية البحث عن مخرج/ مطلب/ خلاص مع تطور النظرة النفسية والميتافيزيقية للحياة، والتي تعمقت جذورها بشكل أو بآخر في هذه المجموعة، لتكون جذرا حقيقيا من جذور الإبداع القصصي لنجيب محفوظ، وإن اختلفت صورها داخل إطار المجموعة، التي قفزت بإبداعه القصصي قفزة تزامنت – ولا شك – وتأثرت بإبداعه الروائي ونضجه العالي، بما يكفي لوضعه على خريطة الإبداع الإنساني كافة، فكانت مع بداية مرحلة ما بعد الثلاثية، من خلال أعمال («اللص والكلاب» و «السمان والخريف» و «الطريق») وما بها من نزعة جديدة ورؤى تختلف عما سبقها من مراحل.
ونرى إشكاليات الحياة والموت والدين والتصوف بوصفه مخرجا من مآزق الحياة والانسلاخ من وطأتها، ونرى تبعا لذلك التلاحم بين الميتافيزيقا والواقع والبحث عن الخلاص والمعرفة – الرحلة الصوفية المليئة بالمتعة والألم – والإشارة الذكية لأهمية العقل، وخروج الحياة من رحم الموات ثم العودة للموات من جديد، وكأننا بإزاء دورة كونية وجودية لا تتخلف، كما في نصوص «زعبلاوي» و»العجوز والأرض»، وفي ذلك يستخدم محفوظ أسلوب الراوي العليم ثم الراوي المشارك في الحدث، و تتعدد تبعا لذلك الضمائر الغائب والمتكلم والمخاطب، وتتداول في بناء فني محكم ، وتأتي لغة الحوار سهلة غير متفلسفة – في غالب الأحوال – وكما يقول عز الدين إسماعيل: «الكاتب الناجح يراعي مستويات شخوصه الفكرية إلى جانب مراعاته للغة هذه الشخصيات»، وتأتي العبارات الوصفية لتبرز تفاصيل الحياة، وتشي بخمولها، أو نشاطها، ولترسخ حالة الصراع النفسي الجواني والخارجي بين الشخصيات على حد سواء، ومن ذلك المشاهد الوصفية التي أبرزها محمد عطية في نصوص «العجوز والأرض» حيث يرمز اخضرار الأرض إلى الأمل في الحياة وبذل الجهد في تعميرها حتى وإن استحالت – نظريا – و «العري والغضب» حيث يرمز العري الجسدي لحالة العري النفسي وبناء شخصية عم إبراهيم الفراش في «نيا الله» تلك الشخصية الهامشية التي تمثل مفتاحا للنص وأحداثه المباغتة المغرقة في العبث
وفي نص (الصدى) من مجموعة «خمارة القط الأسود» تتبدى فكرة عودة البطل إلى منزله القديم هذه القيمة المرتبطة بحنينه إلى الأم والتي قد تمثل في أحد مستويات التلقي نموذجا مصغرا للوطن أو الحياة بعنفوانها وصخب علاقاتها وديمومتها.
الانتقال من مرحلة الصراع مع الحياة إلى مرحلة المهادنة معها ثم الوصول لنتيجة مخيبة للآمال و الانغماس في الغيبوبة والتوهان المتمثلة في الخمارة والتي يوازيها روائيا عالم العوامة في رواية «ثرثرة فوق النيل»
وأختم هذا العرض بمشهد محفوظي بارع، نقله وحلله ناقدنا بعينه الثاقبة وفكره الواعي، يقول نجيب محفوظ واصفا، بكونه روايا عليما:
« يوما بعد يوم أرى – بلحظ العين – المياه وهي تغمر الحقل والخيمة وهي تنتصب في رشاقة ويوما بعد يوم تغير وجه الأرض فآذن بمولد حياة جديدة ويوما بعد يوم ظهرت القرون الخضراء كالأغاريد الخفيفة مبشرة بالبهجة المشرقة»
عبر هذا المقطع الذي يفيض عذوبة وشعرا و رمزية، إذا بهذا العجوز- في الثمانين من عمره – وزوجه، وبرغم ذبولهما وانكماشهما، استعادا الحياة من جديد، كمقاتلين يصنعان البهجة لتستمر الحياة بالسعي والأمل.
هكذا وعبر عرضنا السريع لبعض ما أبدعه محمد عطية محمود نقدا حول إبداع محفوظ القصصي، ورأينا الكثير من ملامح عالم نجيب محفوظ ومشروعه الأدبي الكبير.

About alzawraapaper

مدير الموقع