تأجير النقود في الأسواق غير المنظمة: العراق أنموذجاً

مظهر محمد صالح

مظهر محمد صالح

بات من الواضح ان ثمة سوقين نقديين يعملان في سلوكيتيهما وتوجهاتهما بشروط او ظروف نقدية مختلفة وعلى وفق قاعدة التمانع المشترك mutual exclusive. فهما سوقان متداخلتان ولكن لا يتوافقان في الاهداف والرؤية. فظاهرة التاجير النقدي التي تتعاظم فيها سرعة دوران السيولة النقدية المكتنزة بالغالب تشكل مصدر فائض طلب على احتياطات البنك المركزي الاجنبية مما يعني التضحية بجانب من تلك الاحتياطات لمواجهة سيولة فعالة كانت خاملة او مكتنزة حركتها الروافع المالية لسوق النقد غير المنظم قوامها سعر فائدة عالٍ قصير الاجل(الربا). وهنا تدفع السياسة النقدية ثمن مضاف للاستقرار ولدته صدمات سعر الفائدة في سوق التاجير النقدي بغية الحفاظ على استقرار سعر الصرف ومواجهة هبوط قيمة الدينار الخارجية. فالتضحية بالاحتياطي الاجنبي نتيجة فائض السيولة المحلية وصدماتها المفاجئة بروافع تاجير العملة تمثل علاوة مخاطر risk premium وتكاليف اضافية واعباء على عاتق السياسة النقدية.فبدلاَ من ان تذهب الفوائض النقدية المكتنزة خارج الجهاز المصرفي الى ودائع ادخارية تخدم الاستثمار الحقيقي ، تتحول الى طلب نقدي فائض لاغراض تغطية معاملات النقد الاجنبي عبر نوافذ وبوابات السياسة النقدية.
وبناء على ما تقدم ، فان سياسة البنك المركزي النقدية في الحفاظ على استقرار المستوى العام للاسعار وخفض التضخم باستخدام العملة الاجنبية كوسيلة دفاع او مثبت اسمي nominal anchorفي استقرار القيمة الخارجية للدينار، لا تولد (في ظل تواجد سوقين نقديتين) سوى حالات من التكاليف والاعباء الاضافية غير المرغوبة على الاحتياطيات الاجنبية، والتي تتناسب عكسياً مع ارتفاع اسعار الفائدة الاسمية القصيرة الاجل في السوق النقدية غير المنظمة (اي روافع التاجير النقدي). فبانخفاض المستوى العام للاسعار (من خلال الدفاع عن سعر صرف مستقر للدينار) تؤشر السوق النقدية غير المنظمة ان سعر الفائدة الحقيقي الموجب فيها يمثل: معدل سعر الفائدة الاسمي في السوق المنظمة مطروح منه سالب الفرق بين سعري الصرف للدينار بين السوقين المنظم وغير المنظم للصرف. فالتاجير النقدي وروافعه العالية وما يقابله من استقرار في سعر الصرف الرسمي ما هو الا تعبير عن علاوات المخاطر التي تدافع بها السياسة النقدية من احتياطاتها الاجنبية للسيطرة على مناسيب السيولة التي يقذف بها التأجير النقدي كفوائض تمتصها لزاماً نوافذ السياسة النقدية للبنك المركزي (المزاد) .
الاستنتاجات
ان الشروط النقدية في السوق المنظمة monetary conditions المتمثلة بالحفاظ على استقرار سعر صرف الدينار العراقي (على الرغم من استمرار مظاهر العجز في الحساب الجاري لميزان المدفوعات )الذي يتبعه ايضاً استقرار اسعار الفائدة في السوق المنظمة بما فيها سعر فائدة السياسة النقدية (الذي يعبر عن سعر فائدة حقيقي موجب يبلغ بنحو 6% سنوياً) تقابلها شروط نقدية مختلفة في السوق غير المنظمة تتمثل على العكس بارتفاع مفرط في معدلات الفائدة الربوية الحقيقية القصيرة الاجل في سوق التاجير النقدي غير المنظمة او غير القانونية تصل كما ذكرنا الى نحو 15% شهرياً (وهي تمثل معدل العائد من الارباح التضاربية لكل دينار تحققه اسواق الصرف الموازية ،اي الناجمة عن فرقي سعر الصرف للدينار في سوقي الصرف مضافاَ اليها معيار سعر فائدة السياسة النقدية بالغالب). وعليه، فاذا ما لجأت السياسة النقدية الى تعديل سعر الفائدة واشارته صعوداً بهدف استقطاب السيولة الفائضة وشحذها من الاسواق النقدية غير المنظمة كبديل عن تدفقها صوب نافذة النقد الاجنبي المركزية، فان ذلك لا يعني في ظل الظاهرة اللاتضخمية السائدة سوى انكماشاً اقتصادياً قامعاً للنشاط الحقيقي وتعميعقاً لاختلال الشروط النقدية monetary conditionsللسوق غير المنظمة او غير الرسمية not formal money market . واذا ما ذهبت السياسة النقدية بالتضحية في سعر الصرف واستقراره باتجاه تخفيض قيمة الدينار وخلق موجات تضخمية ، فان سوق تأجير العملة المحلية ستغذي التضخم من خلال الحفاظ على سعر فائدة حقيقي موجب مولد باستمرار للتوقعات التضخمية inflationary expectations يعظم في نهاية المطاف من كلفة ادارة السياسة النقدية ويستنزف الاحتياطيات الاجنبية.لذا فليس من سبيل بديل الا بترويج ادوات مالية هجينة hybrid متوسطة الاجل (ثلاث سنوات) كسندات للبنك المركزي يجري ابتياعها عبر السوق النقدية بفوائد توازنية وتسدد عند الاستحقاق بالعملة الاجنبية وبسعر صرف توازني كبديل عن السيولة المكتنزة ( كلما كان ذلك ممكناً ). وتعد مثل هذه الوسائل والسياسات المالية financial policies ادوات مساعدة تُمكن من فرض سلوك يمثل حالة من التوافق consistency في الشروط النقدية بين السوقين (السوق النقدية المنظمة والسوق غير المنظمة). اي بالتاثير على السلوك النقدي للاسواق غير المنظمة واختراقها بالادوات المالية الرسمية الهجينية ولجم تنامي سوق العملة المؤجرة وشروطها النقدية الضارة على كلفة ادارة السياسة النقدية. وبهذا التوافق النقدي بين السوقين المنظمة وغير المنظمة تتحقق اهداف السياسة النقدية في السيطرة على مناسيب السيولة الفائضة وتوليد توقعات سعرية مستقرة دون تكاليف اضافية تتحملها السلطة النقدية.

About alzawraapaper

مدير الموقع