بَـــــوْح ســـاخــن

أحمد الجنديل

أحمد الجنديل

أنتَ لم تحمل قلماً صغيراً يساعدكَ على العبور نحو مرافئ القناعة التي تنشدها ، أنتَ تحمل جبلاً تنوء بثقله طيلة خمسة عقود من عمركَ الذي تناثر بين محطات الغربة والركض وراء الحرف الذي يقودك الى القلق والمعاناة .
صادرتْ عفاريتُ الوهم عصارةَ فتوتكَ، وأكلتْ شياطينُ الخديعة لحمَ عمركَ ، ولا زلتَ تمارس الوهم للوصول الى ما تريد .
كتبتَ في السياسة حتى ضجّ قلمكَ بالأنين واللوعة من مشاهد الخزي والخيبة والاحباط، البعض أرغمكَ على دخولها ، سحبوكَ من أنفكَ لكي يجعلوا منكَ بضاعة مغشوشة تزين واجهات دكاكينهم المظلمة بالأفكار الرمادية بعدما اراقوا دمكَ في عمق الزنزانات وتحت سياط التعذيب ، وتظاهرتَ بالشجاعة رغم ان قلبكَ أصبح مزرعة للأرانب .
أمرك السجّان ان تبصم فبصمت وانتَ تنظر من كوة التاريخ فلا ترى غير سوط الجلاد وهراوة الحاكم وهو يلوح لك بالويل والثبور ، وترى خصمكَ يجيد كل فنون الدجل والكذب والرياء ، ويسحق رأسك كل صباح بحذاء الشعارات الرنانة .
يالمحنة المثقف في وطنه ، اينما سار يصطدم بالشعارات والمقولات الكبيرة ، ويجد نفسه بين خياريْن لا ثالث لهما : اما ان يجّند كل ما يملك في خدمة السلطان ليفوز بفتات الخبز المتساقط من موائد حرم الخليفة ، واما التهميش والملاحقة والمطاردة عندما يمارس فن الصمت ، فهذا الصمت يعني للآخر أنك في الخندق المعادي له ، وعندها يبدأ مسلسل التهديد والوعيد ، وتفتح الستارة على مناظر الترهيب والترغيب .
هذا الارث القبيح الخارج من رحم التاريخ علمنا كيف نسير على درب النار ، ونحسب لخطواتنا الف حساب خوفا من الصاق تهمة تدفعك الى الموت ، وأنت لم تعرف من ألوان العشق غير الوفاء والولاء المتدفق من أرضك الطيبة ووطنك العزيز وشعبك المسالم .
يا للمحنة التي أخذت برقبة العاشق ، وهي تفرض سطوتها عليه ليمارس كل فنون الكذب والخداع ، يمارس المديح دون قناعة ، ويصفق لفعل الحاكم وهو يعرف ان ظلمه قد وصل الى فراش نومه ، واستوطن راسه .
يا للخيبة عندما يغيب الصدق من الحياة ، ويكون الكذب سيد المسيرة ، عندها ينزف القلم دما ولوعة ، ويتحول الى جبل يجثم على صدرك ، ويا لمحنة القلم الذي لا يجيد غير النعيق والزعيق ، ولا همّ له غير ارضاء الآخرين ، ويا لمحنة حامله عندما لا يجد امامه غير جنود الخليفة ورجال السلطان وبنادقهم مصوبة اليه ليرغموه على دخول المستنقع ليمارس دوره هناك مع الغلمان والجواري .
الى اللقاء.

About alzawraapaper

مدير الموقع