بين يدي الحسين

أحمد الجنديل

أحمد الجنديل

من أيّ المحطات أبدأ ؟ وكل الدروب السائرة إليك مغمورة بنور الله ، ومن أيّ باب أدخل إلى عالم البلاغة ؟ وكل الحروف التي تتحدث عنك مشرقة بالإباء، مزدانة بالكبرياء، ومعطرّة بشذى الشهادة .
أتعثر في رحابك سيدي الحسين، أتأمل صدراً هشمته حوافر الخيل ولم يستسلم، ورأساً غادر جسده ولم يركع، ودماً أريق على رمال كربلاء فأثمر تاريخاً لا يعرف الزيف، وخلق أمّة لا تعرف الكذب، وأسسّ منهجاً يبتدئ بالإيمان والشجاعة لمقارعة كلّ أشكال الظلم والتعسف والاضطهاد، فكان مهر نجاحك فيضاً من الدماء الطاهرة، وسيفاً تبخرت على نصله أوهام المتغطرسين، ونشيداً دوّى في أرجاء الكون: (والله لا أعطيكم بيدي إعطاء الذليل، ولا أقرّ لكم إقرار العبيد)، فأصبحت صرختك هذه مدرسة تلاميذها كلّ من وهبهم الله عشق الإيمان، وشرف الشهادة ووهج الشجاعة في أعلى درجاتها للدفاع عن قدسية الأرض والحق، والاعتصام بحبل الله من أجل أن تورق حياة لم يخلقها الله إلا لصفوة عباده، فكان دمك عبرة لكل المضطهدين الذين تعلموا منك، كيف ينتصر الدم على السيف لتزدهر الحياة .
والرجال الفرسان ـ وأنت سيدهم ـ لا يصنعهم ترف الحياة وزخرفها، ولا الادعاء الكاذب، ولا الولاء المزيف، ففي خضم الأمواج والأعاصير تظهر قدرات الرجال، ومع التحام الأعاصير السود بأمواج الفتن، كنتَ الفارس الربّان الذي قاد سفينة انتصاره نحو مرافئ لم يطبع الدهر عليها أصابعه من قبل، فكانت بصمات أصابعك البكر، تطرز الدنيا بألق المجد، وترسم للعالم خارطة الخلاص، وتؤسس لثورة كبرى ضدّ كلّ من يريد إيقاف الحياة أو الرجوع بها إلى الخلف .
وعندما يممتَ شطركَ نحو الله سيدي ، كنتَ لا تحمل غير فيض الايمان وهو يشع بسناه على الأفق الرحيب ، وجذوة الاصرار التي لا تعرف التراجع من أجل اعلاء كلمة الله ، وشرف المبادئ التي رضعتها من حجر جدك المصطفى، وعنفوان المواجهة الذي تعلمته من سيف أبيك ، كنتَ متسلحا بقوة المنطق وكان عدوك متغطرسا لا يملك غير منطق القوة ، ومع ساعة المنازلة ورهبة الامتحان وتباين المواقف ، واراقة الدم الزكي الطاهر انتصرت قوة المنطق واندحر سليل السيوف وتلاشى صراخ الرماح وفتح التاريخ صفحة مشرقة عنوانها النقاء والعطاء والصفاء ، فكنت على صدرها مشروعا ومنهجا وراية ، ورأساً لا ينحني الا لله ، قتلوك سيدي لكنهم لم يقتلوا صرختك التي لا زال الكون يرددها : ( هيهات منّا الذلة ) فكنت المعلم في مدرسة التضحية والشهادة من أجل ان تتوج الحياة بكل معاني الشرف والكرامة والكبرياء .
وأتعثر في محرابك سيدي الحسين، وأنا أقف على عمق الهوّة بين أدعياء الحق، وتجّار المبادئ، والسارقين رغيف خبز الفقراء، والغارقين في بحار الظلم، وبين الباذلين دمهم من أجل العقيدة، مؤمناً بأنك ستبقى علامة الفصل بين من جعلوا الدين لعقاً على ألسنتهم، يديرونه كيفما دارت مصالحهم، وبين جندك الميامين الذين لم يرتضوا الذل والهوان، فوهبوا دماءهم رخيصة لكي تشرق الحياة بكل قيم الشرف والصدق والفضيلة .
السلام عليك يا أبا الأحرار يوم ولدت ويوم خرجت ويوم استشهدت ويوم تبعث حيا.
إلى اللقاء .

About alzawraapaper

مدير الموقع