بين قلم الرصاص والقلم الآخر

مرّة أخرى أرفعُ الحجاب عن قلم الرصاص، أبحثُ بين أحشائه عن ذخيرته، فأطمئن لقدرته على إطلاق النار على من يريد شرّاً بالعراق.
ومرّة أخرى أدخلُ قلم الرصاص الى الخدمة، مدركاً أنّ أقلام الرصاص غير الأقلام المذهبّة المترفة ، فهي تكتب بالحبر الثوري، وتتصدى ببسالة عندما يكون الوطن معلقا بين أنياب الفتن ومخالب التمزق، وشعبه يتلوى بحراب الطائفية، والصراعات التي جعلته يرتمي في أحضان مشبوهة، أنسته قدسية التراب الذي يعيش عليه.
وقلم الرصاص غير القلم الأنيق المترف الذي يكتب بماء الورد الذي صنعه جند الوالي من الحديقة الخلفية حيث الجواري والغلمان، في زمن لا ورد فيه ولا عطر غير رائحة الدم والدخان، وغير مظاهر الفساد، وركام الشعارات المبتذلة التي لا تشبع جائعاً، ولا تكسي عرياناً.
وأقلام الرصاص لا تعرف الانبطاح خلف حذاء الوالي، ولا تجيد النفاق في حضرة الخليفة، ولا تمارس الرقص خلف الكواليس ، ولا تضع على رأسها طاقيات الاخفاء، وتدفن رأسها في الرمال عندما تتلاحم الفتن ، وتتشابك الويلات، وتنتشر الحرائق على أرجاء الوطن الكبير.
وأجمل ما في قلم الرصاص أن يقول كلمته ويرحل.. أن يطلق النار فيصيب.. أن يصرخ بشجاعة فيرهب، فالبحر الهادئ لا يخلق أبداً بحّاراً ناجحا ، ففي الأمواج والأعاصير تظهر قدرات الفرسان، وليس في الحياة فارس أكثر شجاعة من قلم الرصاص.
وأشرف ما في قلم الرصاص أنه لا يعرف الانتماء إلا لتربة الوطن، ولا يتطهر إلا بماء الرافدين، ولا يصلّي بخشوع إلا بمحراب العراق.
وأبهى ما في قلم الرصاص أنه يجادل ويقاتل باقتدار، يحاور ويناور بامتياز ، يتراحم ويتخاصم من أجل أن تكون الحياة مشرقة بنور الله، متألقة بصدق القول والفعل، شامخة متألقة بعشق الأرض.
قلم الرصاص ارتوى من دموع الفقراء والمساكين ، وترعرع بين أحضان الرفض الواعي لكل أشكال الظلم وصور القمع وصنوف الاضطهاد، فخرج رائدا معلما صنديدا، والقلم الآخر الذي يكتب على طريقة: ( تأمر بيك ) و ( حاضر يا فندم ) المترهل بالخوف والمتكرش من فضلات الوالي والمتخم بموجات النفاق والذل والخنوع يخرج مذعورا جبانا رعديدا.
ارفعوا الغطاء عن قلم الرصاص سيفاجئكم وجه العراق بكل بهائه ونقائه وعفته، وأزيحوا عن رأس القلم المأجور والمأمور قبعة الزيف الذي يتبجح بها ستخرج لكم الهزيمة بكل بشاعتها ونفاقها وخستها.
لا نملك في هذه الدنيا الفانية غير قلم الرصاص، نرضعه مشاعرنا الصادقة، نرعاه بكل روافد العافية، نسرجه العزم لكي يقول كلمته بشجاعة ويرحل.
إلى اللقاء…

About alzawraapaper

مدير الموقع