بين سيف عنترة ونشيد الاطفال

أحمد الجنديل

أحمد الجنديل

منهج تسويق الشعارات المغرية ، وتصدير المقولات الكبيرة ، والتمسك بالخطابات التي ينادي بها تجار المواعظ الرخيصة ، لا يعادل جناح بعوضة عندما يتقاطع مع طموحات الشعب ، ويقف حائلاً في طريق التقدم والارتقاء ، ويوقف مسيرة المجتمع للوصول إلى عيش آمن مستقر ، فمنذ عقود بعيدة ، والحياة قائمة على طرفي نقيض ، طرف لا يعرف الآخر ، ولا يقترب منه ، الأول خرج من كهوف الجهل والتخلف ، يهدف إلى نهب الثروات ، وسرقة تطلعات الناس ، والاحتيال على رؤوس الساذجين ، والثاني انبثق من قلب الواقع ، لا ترى من خلاله غير جموع الفقراء ، وهي تكافح من أجل الحصول على رغيف الخبز في بلد الثراء والخيرات ، ومنذ عقود سحيقة ، والحياة تسير وفق منهجين ، أحدهما يغاير الآخر من المنبع وحتى المصب ، منهج متعلق برأس عنترة العبسي ، باعتباره الرأس المقدس الذي نستلهم منه القوة والصمود والشجاعة ، ومنهج آخر يجاهد لسحق رأس العبسي ، وتحويل سيفه الذي يقطر دماً ، وثأراً ، وعنجهية إلى ملاعب للأطفال ، ومزارع للورود ، وما اشتداد الصراع ، وتنامي حدته ، انتصر رأس عنترة المتعنت المظلم ، على رأس الحياة المشرق المضيء ، فانتشر الفساد في كل مكان ، وأصبح العقل الناضج يلوذ تحت طيش السيف وتهوره ، واتسعت دائرة المقدسات لتضمّ بين جناحيْها ، الواعظ الأعمى ، والسياسي الأبكم ، والتاجر المحتال ، وشيخ القبيلة الانتهازي ، ومع استمرار تغذية الفساد الأخلاقي ، والفكري ، والسياسي ، والاجتماعي بفيروسات الخطاب المثالي الأجوف والهادف إلى بقاء الرؤوس في مستنقع الخنوع والخوف والتردد ، بدأ العقل السياسي يدير العملية السياسية وفق توجيهات السيف الملوث بجراثيم الحقد ، والتسلط ، والتخلف .
إنّ ما تمخض عنه سيف عنترة اليوم ، هو المزيد من إراقة الدماء ، والمزيد من حالات التشرد ، والجوع ، والمرض ، والمزيد من سحب الرؤوس إلى حاضنات الوهم والخرافة ، حتى وصلنا إلى مرحلة الانحطاط الشامل ، وأصبحنا أمام مفترق طرق خطير ، أمّا التعلق بسيف ومبادئ عنترة القائمة على البطش والقوة والتهور ، أو الالتفات إلى الحياة ، لنتعلم منها فنون الفرح والتفاؤل ، ونمارس عشقنا معها ، ونفتح أبوابها ونوافذها للشمس ، ونتمتع بسخاء كرمها ، وجمال عطائها ، بعيدا عن رأس وسيف عنترة الذي أوصلنا إلى مرحلة الخزي والظلام والهزيمة .
إلى اللقاء .

About alzawraapaper

مدير الموقع