بين ثقافة التسامح وثقافة الدوائر المغلقة

احمد الجنديل

احمد الجنديل

الشعوب تتطور بالحوار الموضوعي النافع ، والبلدان تتقدم عندما تسير على طريق الوضوح وانتهاج سبل الوضوح والصراحة والصدق ، والحياة لا تستقيم الا باحترام القانون ووفق منهج العقاب والثواب ، ولا أحد يحتكر النجاح ما دام الجميع قد ساهم في تحقيقه كما لا يمكن لأحد التنصل من حالات الفشل طالما وضع بصمته وشارك في خروجه .
إنّ ما يميز عصرنا اليوم هو شيوع ثقافة الطرق المغلقة ، ولغة المناورات الرمادية ، واستخدام اللغة المزدوجة في ترسيخ القناعات المنحرفة ، وعدم الرجوع إلى المرجعيات المعرفية الأصيلة ، ودفع العواطف الساذجة إلى أروقة الحوارات الجادة ، وتغليب الفرع على الأصل ، والتي شكلت مع غيرها من الأسباب ظاهرة خروج التطرف في التفكير والمنطق والسلوك ، والتي تحولت إلى ظاهرة تلقي بضلالها الداكنة على حياتنا ، وتزرع الفتنة بين أبناء الوطن الواحد ، وتدفع الجميع من خلال الحاضنات الموبوءة بفيروسات المنهج التكفيري الذي يدعو أنصاره إلى تكفير من يختلف معه، ويثقف على : ( إن لم تكن معي ، فالقتل حلال ) هذا المنطق المتخلف الذي لا يسمح بالتعايش السلمي ، ولا يؤمن بحقوق الآخرين في التفكير ، ولم يتخذ من الاعتدال طريقا لبناء الحياة وفق ما أرادها رب العزة والجلالة .
إننا اليوم نقف أمام الإرهاب الفكري وجها لوجه ، والذين يطالبون بتجفيف منابع تمويل الإرهاب المالية عليهم أن يدركوا أن تجفيف المنابع الفكرية للتطرف أكثر إلحاحا كونها أشد فتكا من كل الحاضنات التي يترعرع فيها الإرهاب بكل أشكاله ومسمياته ، وعلى الجميع محاصرة مدارس التطرف ، وإلغاء كل المناهج التي تبث سمومها ، وإشاعة ثقافة التسامح ، ونبذ كل أشكال العنف ، وردم المستنقعات التي تفوح منها الشعارات الإرهابية تحت غطاء الدين أو المذهب أو الطائفة ، والرجوع إلى رسالة السماء السمحاء التي تقوم على الاعتصام بحبل الله ، وعلى التضحية من أجل أن يعم السلام ، وتجعل المسلمين كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا ، والعمل بروح الجماعة ، وحسن النوايا ، واجتناب الفتنة التي هي أشد من القتل .
إنّ ما يهدد الأمن والاستقرار ، ويدفع بلادنا ومستقبل أطفالنا إلى المجهول ، هو انتشار ظاهرة الإرهاب الفكري والذي أفرز قناعات شاذة تبيح القتل والظلم والجريمة ، ومن يريد محاربة الإرهاب ، ويسعى إلى بناء مجتمع جديد قائم على العدل والمساواة عليه باجتثاث الرئة التي يتنفس من خلالها كل دعاة الإرهاب وأنصارهم ، والبدء بتلقين الأطفال ثقافة التسامح ، والتعاون والمحبة ، والتصدي الحازم لكل الثقافات التي تستهدف وحدة الوطن وسيادته واستقلاله ، ووحدة الشعب بكل طوائفه ومذاهبه وقومياته ، وتسعى إلى تمزيق نسيجه الاجتماعي، وهي مهمة لا ينهض بتحقيقها غير أصحاب العقول الكبيرة .
إلى اللقاء .

About alzawraapaper

مدير الموقع