بين العرش الزائل والسلوك المائل

احمد الجنديل

احمد الجنديل

تنتعش شجرة الحياة بالقول الصادق الصريح والعمل المثمر البناء ، وعلى مر العصور والشعوب تبني مستقبلها بعرق جبينها وعقول مفكريها وسواعد أبنائها ، متلاحمة مع حكوماتها تارة ومختلفة معها أخرى ، ومع الحالتين تكون المسيرة في تقدم مستمر وعجلة الزمن لا تسير الى الخلف .
استثني من هذه القاعدة بعض الشعوب وبعض الحكومات التي تعاني من الخير العميم الذي لا تعرف كيف تتعامل معه بطريقة تنسجم مع قواعد الحياة .
بالأمس ، كانت دماؤنا تغذي مواقد الخليفة ، ومعارك السلطان ، ونزوات صاحب السمو ، وكنا نتسارع الى الموت على قرع طبول المنتصر بالله وأناشيد جلاوزته وهم يزفون لنا بشرى النصر القريب ، وكلما يغادر خليفة مخلفا وراءه بحورا من الدم وعالما من الخراب ، يخرج لنا خليفة آخر بطبول جديدة وجلاوزة يشتمون كل أصحاب السمو الذين حكمونا قبله على أنغام ( لاقت رؤوس الحراب ) ويزفون لنا حلول النصر المؤزر . وكنا في كل مرحلة نرى جموع الفقراء والمحرومين يدقون أبواب الخليفة ويعرضون نثار ذلهم وبؤسهم ولا يجدون غير وعاظ الملك المبجل يرشون على رؤوسهم بركات ظل الله في الارض ، وكلما يرحل أمير أو ملك ، يكتشف الفقراء والمساكين انهم ضحية في مسلسل الخداع الذي ذهب آباؤنا وأجدادنا عبر صفحات حياة الملوك والاباطرة ، ومع تطور الزمن ، تطورت أساليب المكر والخداع لدى الحكومات ، وتطورت أساليب النفاق لدى الشعوب ، وأصبحت العلاقة بينهما قائمة على جدلية المنافع والمصالح ، فالحاكم يحتاج الى مَن يقرع له الطبول ويقشّر جلد يديه بالتصفيق لمقامه الرفيع ، وشريحة منافقة تحتاج الى عطايا وهبات الحاكم لكي تعيش في رخاء ، وفي كل الاحوال يكون الفقراء وقود الحروب والفقر والمرض والجهل ، كما أفرزت هذه المسيرة المباركة سلوكا مزدوجا لدى الحاكم يتلخص في خطابيْن متنافرين ، الأول يتمثل في الهتاف باسم الشعب المقهور والوطن المغلوب لغرض الضحك على ذقون الرعية ، والثاني يتمثل في نهب أموال العباد والبلاد ، ونتيجة لهذا السلوك المزدوج خرج الى الوجود جيل من المنافقين يعرف كيف ومتى ينشر بيارقه وهتافاته ، وكيف ومتى يخفيها ، وكيف ومتى يتخلص من الولاء الكاذب للسلطان الراحل ليخلق ولاء كاذبا جديدا للسلطان القادم ، حتى أصبح من الصعب معرفة كم الوجوه يحمل كل واحد منهم .
ومع شدة الصراع ، وتعقيدات المرحلة ، وتشابك الاوراق والالوان ، أصبح الحاكم لا يميز بين رائحة النفط ورائحة الخروع ، وأصبح شغله الشاغل ينحصر في الحفاظ على العرش الذي يتنعم بسحره ، وأصبح المنافقون لا هم لهم سوى ارضاء الخليفة وكسب المزيد من مكرماته وعطاياه ، وأصبحت حصة الفقراء من هذه اللعبة المزيد من الذل والحرمان ، ولا حول ولا قوة الا بالله .
الى اللقاء .

About alzawraapaper

مدير الموقع