بين الزهاوي والرصافي

خالد القشطيني
ضجت بغداد في الثلاثينات بالخلافات بين معروف الرصافي وجميل صدقي الزهاوي. كان الاثنان من أصول كردية ونشآ في العهد العثماني، بيد أن تنافس الشعراء مسهما وأقض مضاجعهما. ويظهر أن للأمر أسباًبا في حظوظهما من الحياة. فقد اختير الزهاوي نائًبا في مجلس المبعوثان العثماني ولم يحظ بذلك الرصافي. وكذا كان الحال في عهد استقلال المملكة العراقية، حيث اختير الزهاوي نائًبا في مجلس النواب ثم عين في مجلس الأعيان، في حين ظل الرصافي شاعًرا مغضوًبا عليه. تفسير ذلك أن الرصافي كان من المعارضين للسلطة، في حين كان الزهاوي مداجًيا لكل من يحكم.
حاول الملك فيصل أن يصلح بينهما فدعاهما إلى العشاء معه. جيء بديك رومي سمين على صينية من الرز واللوز. راح الزهاوي يمعن في التهام الرز حتى سقط الديك إلى جانبه، فتمثل قائلاً:
عرف الفضل أهله فتقدما!
أكمل الرصافي البيت فقال:
كثر النبش تحته فتهدما!
استأنس الحاضرون وشاركهم الملك فيصل ضاحًكا.
سألوا الزهاوي يوًما عن رأيه في الشاعر المصري أحمد شوقي وتلقيبه بأمير الشعراء. فأجابهم قائلاً: شنو هذا أحمد شوقي؟ تلميذي معروف الرصافي ينظم شعًرا أحسن منه!
لم يكتِف بذلك فأضاف في مناسبة أخرى قصيدة قال فيها:
وللشعر في بغداد روح
وللشعر أعباء أقوم بها وحدي
وكان في ذلك ما يكفي لإغاظة زميله الشاعر، بل وكل شعراء العراق. نفي الرصافي إلى خارج العراق، بسبب هجومه على الإنجليز والحكومة القائمة. عفي عنه بعد سنوات، فعاد إلى بغداد حيث نظموا له حفلاً مهيًبا للترحيب به. شارك الزهاوي في ذلك الحفل. وقف وأنشد قصيدة إخوانية بالمناسبة:
لقد عاد معروف أخي بعد غيبة
فأهلاً برب الفضل والأدب الوفر
كلانا يريد الحق فيما يقوله
وإني وإياه إلى غاية نجري
فخذ بيدي اللهم في كل دعوة
وهذا أخي معروف اشدد به أزري
ولا بد أن البيت الأخير من القصيدة الطويلة أثار أعصاب الزميل الوافد. ولكن الرصافي صبر على ذلك وأظهر قسًطا من حلمه وسماحته بأبيات رشيقة، قالها عندما سنحت
مناسبة أخرى في حفل بمناسبة عودة الزهاوي من مصر:
أرى بغداد من بعد أغبار
زهت بقدوم شاعرها الزهاوي
زهت بكبيرها أدًبا وعلًما
زهت بطبيب علتها المداوي
وما الآداب في بغداد لولا
يراع جميلها إلا دعاوي
إذا ما قال في بغداد شعًرا
رواه له بأقصى الأرض راوي.

About alzawraapaper

مدير الموقع