بين الأدب والسياسة

رباح آل جعفر

رباح آل جعفر

جميل جداً أن يكون الدرس الأول عن الرصافي والجواهري . لم يخطر في بال أحدهما أن يسأل الآخر : هل أنت شيعيّ أم سنيّ ؟.. هل أنت عربيّ أم من أصول كردية ؟.. كانت المشتركات أكبر من هموم هذه الأسئلة الصغيرة وارتباكاتها . ما يربط بينهما من لغة الوطن والشعر والخريطة تفوق لغة الضمّ ، وأحلام التقسيم ، ولافتات الطائفة .
كحافظ وشوقي في مصر . كان النهران الخالدان معروف الرصافي ومحمد مهدي الجواهري يشكلان ثنائية أدبية وفكرية في العراق من المؤسف أنها لم تتكرر .
كان كل من الرصافي والجواهري يرى الآخر جزءاً من نفسه ، يحسّ بحسّه ويشعر بشعوره ، يخشعان أمام بعضهما بعلاقات واصلة إلى أعماق الوجدان ، فإذا بكى الأول انسكبت له دموع الثاني . قامتان مضيئتان في رحاب الشعر والتاريخ .
وكم كان حزن الجواهري عميقاً حين سافر إلى مدينة الفلوجة ليعود الرصافي في الأيام الأخيرة من حياته ، ورجع من هناك مكتئباً محزوناً يصف غرفته المظلمة المنحطّة مقفرة العرصات ، وثيابه الرثّة ، وسرير نومه البائس ، وصحته المنهكة العليلة ، وفي نفسه حزن عميق وألم لاذع ، من حياة خيرها من الشرّ ، وحلوها من المرّ ، عاشها فقراً وشظفاً وسوء حال .
وتمضي الأيام .. ومن المؤلم أن يشقى الإنسان ويحتمل المكروه ليسعد الآخرين . وعندما رزئت بغداد بشاعرها الكبير وحزنت على فقده ، كان الجواهري أشدّ المفجوعين بحزن المحبّ الصادق لحبيب فتّ في عضده كان من أحبّ الشعراء إلى قلبه ومن خلصائه . وإذا كانت الحياة لم تنصفه فلقد أنصفه الجواهري في أكثر من مرثية تبقى خالدة من غير شك ، كأنه كان يرثي بها نفسه في هذا البيت :
ذئب ترصّدني وفوق نيوبه ..
دمُ أخوتي وأقاربي وصحابي .
كان كل منهما يتهيّب الآخر ويراه إمام الشعراء في حبل ممدود من الودّ والقوافي ، ويستعذب لذة الوفاء . يكتب الرصافي قائلاً :
أقولُ لربّ الشعر مهدي الجواهري ..
إلى كم تناغي بالقوافي السواحر ِ ؟!.
وتأمّل عمق الجواهري وكيف كان جوابه في قصيدة من شأنها أن تصعد بك بأجنحة الخيال إلى السماء :
تمرّست ( بالأولى ) فكنت المغامرا ..
وفكرت ( بالأخرى ) فكنت المجاهرا /
وإني إذ أهدي إليك تحيّتي ..
أهزّ الجيل العقوق المعاصرا /
أهزّ بك الجيل الذي لا تهزّه ..
نوابغه حتى يزور المقابرا .
من ثنائية الرصافي والجواهري نتعلم أن الرهان على القلم والكتاب واللوحة والقصيدة لا على الساسة من حفاري القبور . ويمكن أن تتسلل هذه الثنائية الجميلة وتدسّ في صفحات من مناهج التلاميذ لتكون درساً بليغ المعاني في السياسة وفي الأخلاق وفي الوطنية ، عسى أن تنتقل ولو بالعدوى إلى حياتنا وثقافتنا ، التي أفسدتها ملاكمات الساسة ودعاة الفتنة في هذه الأيام ، التي كأنها طوفان يستبيحنا جميعاً ، وفي وطن قتلته لعنة الطائفية ليغتال من جثث مجهولة الهوية !.
rebahaljafar@yahoo.com

About alzawraapaper

مدير الموقع