بيع وشراء الذمم

يحيى الزيدي

يحيى الزيدي

نسمع بين الحين والآخر عن انتشار ظواهر تعاني منها مجتمعاتنا التي اصبحت على ما يبدو «واقع حال» ، لا يمكن التخلص منها الا بازالة المؤثر.. واعتقد من الصعب جداً في ظروفنا الحالية القضاء على الكثير من هذه الظواهر.
أكتب اليوم عن ظاهرة «بيع وشراء الذمم» ،هذه الظاهرة التي تفاقمت واصبحت مشكلة اجتماعية، «استفحلت» في الكثير من مرافق الحياة .
هذه الظاهرة التي يعرفها الكثير من القراء، ويلمسها من خلال التعامل اليومي في حياتهم .. «بيع وشراء الذمم» او «الرشوة» او «تسهيل الامر»، وباء إذا استشرى في مجتمع ما، أتى عليه، كما يأتي السوس على أنبل وأجود أنواع الخشب.
هذا التصرف أو السلوك «غير الاخلاقي».. الذي تشترى وتباع من خلاله الانفس والذمم، والضمير، على حساب الناس والمجتمعات، فينخر قيمها، ومدخراتها وأرصدتها، ويستولي على المقود المسير، فيوجه المركب وجهة تخدم مصالح الراشي، وتملأ جيوب المرتشي، فتكون خسارة للبلد والشعب والمصالح العامة .
يقول رسولنا الكريم -صلى الله عليه وآله وسلم-: ((لعن الله الراشي والمرتشي، والرائش الذي يمشي بينهما)).
نحن نعلم بان زمننا زمن مليء بالفضائح والفساد بكل انواعه، انه زمن تراجعت فيه بعض القيم والفكر والمبادئ، زمن اصبح للفاسدين والمضاربين ظهور مفاجئ .. زمن فيه كل شيء قد يكون قابل للبيع او المساومة.. زمن أصبح فيه البعض يقايض الأبناء والضمائر وذمم الناس في تعاملاتهم .
نسمع بين الحين والآخر عن موظف في الدولة القي القبض عليه متلبسا بالرشوة.. والأدهى من ذلك عندما يكون ذلك الموظف ذا منصب «رفيع» أو «مسنا».. هنا تسكب العبرات .. اهكذا يختم المرء محطة حياته.
البيع والشراء والمقايضة مهن موغلة في القدم، والاشياء التي تخضع للعرض والطلب كثيرة، ولكل منها ثمن، يحدده نوع الشيء وجودته، ومدى الحاجة اليه، وهذه التسعيرة متذبذبة تبعاً لعوامل عدة معروفة تحكم السوق.. هذا كله مألوف ولا غرابة فيه.. لكن قد نكره مهنة البيع والشراء ونلعنها عندما نقرأ في التاريخ عن بيع الجواري والغلمان في سوق النخاسة، نختنق عندما يصف النخاس مزايا جارية معروضة للبيع وكأنه يعريها مما يستر جسدها المعروض للنهش والبيع.. هذا ما حدث في الجاهلية، ورغم ذلك يقشعر له بدننا عندما نتذكره.
بعد هذا الكلام عن بشاعة مهنة البيع والشراء، هل يراودكم او يتبادر الى ذهنكم الى ان ما يباع في عالمنا اليوم قد يكون ابشع بكثير مما بيع في سالف الازمان؟!
اقول .. «الذمم» يا سادة هي التي تباع وتُشترى هذه الايام!! .. وبيعها وشراؤها أبشع وأخطر بكثير من بيع الاجساد المغلوبة على أمرها، فالجواري والغلمان منذ رؤيتهم الاولى للنور كان قدرهم ان يُباعوا ويُشتروا لانهم من طبقة العبيد، هكذا صنفوا وهكذا كان قدرهم لا يقوَون على الاعتراض عليه .. أمّا من ظل بصيراً بالمستقبل طول العمر الى اللحظة الاخيرة التي تخلى فيها عن بصيرته وباع ذمته وضميره بحفنة من الدنانير او الدولارات او بمركز مرموق في مكان ما يؤهله لبسط نفوذه وملء جيوبه، فأنه بذلك فقد القيم والمبادئ معاً.
ان اخطر ما يقع فيه الانسان هو السقوط والمهادنة.. وحزننا يصبح أكبر من مساحات الكلام عندما نحس بان احد الغيورين على أرضه وأهله وبلده والذي كان صوته يوما ما مخيفا، ويرعب أكثر من زئير الاسد عندما يغضب، فجأة يخفت صوته الجهوري الى أن يتلاشى وتغور عيناه في حدقاتها كلما رفع الصوت بوجه الظالم والفاسد، فيحاول جاهداً أن يدير دفة الكلام بعيداً، ويبتلع لسانه وكأنه يقول للارض «انشقي وابلعيني». كل هذا لانه قد باع اغلى ما عنده الا وهو «ضميره و ذمته» بثمن مادي قد يكون بخسا .. هذا الانسان حالته صعبة جداً يُرثى لها.. أين أصبح ضميره الحي الذي كان دوماً يقظاً يعارض كل خلل وجرم يُقترف بحق الناس وشعبه؟ أين تاريخه؟ اين أنيابه وأظافره؟ لقد أصبح بما كان وبما يكون في خبر كان .. فهو انسان معطل الاحساس والضمير.. كل القيم فيه بعد ضميره وذمته في غروب.
عزة النفس.. الارتفاع عن مواضع الاهانة، فعزيز النفس لا يسمح لأحد أن يريق ماء وجهه ليبقى موفور الكرامة، مرتاح الضمير، ومرفوع الرأس شامخ العينين، متحرراً من ذل الطمع، لا يسير إلا وفق ما يمليه عليه إيمانه وسلوكه والحق الذي يحمله ويدعو إليه.

About alzawraapaper

مدير الموقع