بلد العجائب والغرائب

احمد الجنديل

احمد الجنديل

منذ ما يقرب من نصف قرن ، كنّا نقف صباح أول أيام العيد أمام رجل نحيف يغطي فروة رأسه بقطعة من القماش الأحمر اللامع ، ويزيّن رقبته بطوق من الخرز الرخيص ، ويحمل صندوقاً مغطّى بصور الأبطال من ذوي العضلات المفتولة ، وعلى ملامحهم تبدو ملامح القوة الخارقة والشجاعة الفائقة ، ومنذ الصباح الباكر نخرج من بيوتنا بانتظار هذا الرجل المثير ، فإذا ما وصَلنا صوته الأجش ، وهو يصرخ : ( انظر ياسلام ، شوف هرقل بالتمام ، هذا صندوق العجائب ، فيه أنواع الغرائب ) نهرع نحوه، ونأخذ بالاصطفاف وكل واحد منّا متلهف لرؤية ما في هذا الصندوق، فإذا ما وصل دوره في المشاهدة ، الصق عينه على فتحة صغيرة ليرى أبطالا يتقاتلون فيما بينهم ، أو حيوانات شرسة تزمجر في وجوهنا ، أو قردة تنقر على الدفوف وهي تمارس الرقص ، وما هي إلا للحظات حتى يخرج أحدنا من الطابور ليفسح المجال لآخر بعد أن يأخذ الرجل نقوده التي ادخرها لمثل هذا اليوم .
وبعد تسارع الأعوام ، ودخول المذياع إلى البيوت ، تلاه التلفاز ، ابتلع النسيان الرجل النحيف وصندوقه ، وبدأت مرحلة جديدة اشتعل الرأس فيها شيباً بأفكار ماركس وهيغل وسميث وروسو ، وامتلأ القلب همّاً بنظريات سقراط وأفلاطون وأرسطو ، وثقلت النفس بمناهج المحافظين الجدد والمنفلتين القدامى ، ولم يعد أحدٌ يصدق أنّ ( صندوق العجائب والغرائب ) يعود ثانية وبطريقة تثير الرعب والخوف قبل أن تثير الدهشة والاستغراب ، لقد عاد ليس صندوقاً يحمله رجل نحيف يحاول أن ينظّف جيوبنا من مبلغ ضئيل من النقود ، بل عاد وطناً اسمه العراق ، وتحول هرقل الجبار ، ومنظر الحيوانات المفترسة ، وصور القردة الراقصة إلى مشاهد ومسلسلات حبلى بالعجائب والغرائب التي تثير القرف ، وهي من النوع الذي انفرد فيه العراق دون غيره من بلدان الإنس والجن ، فهي نعمة خلقتها همم الصناديد الشجعان ، واخترعها العقل المتحضر المتألق ، أضيفت إلى خيرات هذا البلد السعيد ، حيث الثروة النفطية والمعدنية والمائية ، وحيث أنعم الله على بلادنا بالسياحة الدينية ، وتمشياً مع التقدم والتطور فقد اجتهدنا وثابرنا وأخرجنا للعالم أجمع مصدر جديدة للثروة يدّر علينا مليارات الدولارات من خلال السياحة السياسية المتمثلة بصندوق العجائب والغرائب الذي يعد انجازاً من شأنه أن يلوي عنق التاريخ والجغرافيا معاً .
لم يبق لنا إلا أن نشحذ الهمم ، ونعبئ الطاقات ، ونكثف الجهود لاختيار أفضل وسائل الدعاية والإعلان التي تنسجم مع متطلبات العصر الحديث، وأن نكتب على حدودنا وبالخط الكوفي : ( أهلاً وسهلاً بكم في بلد العجائب والغرائب ) وإننا على يقين بأنّ توافد السائحين سيفوق التصور، وستعج ساحات العراق بالوافدين من مختلف أرجاء الكون ، وسنكون لهم مهللين ومرحبين وفاتحين لهم مضايفنا العامرة بالقهوة المعطرة بالهيل ، ناثرين على رؤوسهم باقات الزهور ، وبذلك نكون قد وفرنا للشعب مبالغ هائلة من العملة الصعبة والسهلة نستطيع من خلالها معالجة أزمات الكهرباء والماء والأخلاق ، والباقي نقدمه هدية لفقراء القارة الأفريقية .
مبروك عليكم هذا الانجاز الرائع ، ووداعاً يا أزمات فالخير قادم بإذن الله ، ولا حول ولا قوة إلا بالله ، وحسبنا الله فهو نعم الوكيل .
إلى اللقاء .

About alzawraapaper

مدير الموقع