بكاء على الطريق

ماجد الحجامي
كان ينتظر وصول سيارتي خارجا عند باب منزل صديقه الذي كان برفقته، ولما تأكد من وصولي ودع صاحبه ثم دلف الى سيارتي، القى التحية بصوت هادئ جلس في المقعد الامامي ، كان ثملا لكنه تغلب على آثار السكر ليحافظ على هيبته ووقاره لكنه لم يفلح في التغلب على آثار الحزن الذي افترس ملامح وجهه . قبض لحيته البيضاء ونظر إلي قائلا : إلى( فورت كاري) رجاء . انطلقت بسيارتي وسط الظلام الحالك مكتسحا الثلوج الكثيفة التي كانت تتساقط بغزارة مثل حزنه ، بدأ حديثه قائلا :
– تبدو عليك ملامح العرب من أين أنت يا بني
– صدقت أنا عربي من العراق .
– اردف قائلا ما أجمل العراق وما أجمل بلدان الشرق الأوسط ، كنت كثير التردد على تلك البلدان في السبعينيات والثمانينيات أحببت العيش في تلك البدان .
– لكنها لم تعد تصلح للعيش فقد فتكت بها الحروب والدكتاتوريات والأنظمة الفاسدة وهيمنة بعض الدول المستبدة.
– قد تكون على حق يا بني ، لكن على الرغم من هذا كله أراها الأنسب للعيش فلو كنت أعيش هناك لما حل بي ماحل .
سحب منديلا ومسح دموعه وأردف قائلا بعد أن رأى علامات التساؤل جلية على قسماتي :
لقد تزوجت بفتاة أحببتها كثيرا وقضينا معا أياما جميلة ممتعة وبعد أن اصبحت من ذوي الأموال طلبت مني الطلاق .
– طلبت الطلاق !
– حتى تحصل على نصف ثروتي ، ونالت ما أرادت أما في بلدانكم لا تأخذ المرأة شيئا إذا كانت هي من تطلب الطلاق دون سبب مقنع.
لقد شعرت بالخيبة والمرارة والحزن عندما علمت بزواجها من شاب أصغر منها سنا يسكن معها في منزلي الذي استولت عليه
بأمر من المحكمة ، لكن ليس هذا ما يحزنني.
– ما الأمر إذاً ؟
تأوه قليلا ثم انفجر باكيا وقال بصوت ضعيف متقطع :
– أولادي يا بني ، فبعد أن طعنتني أمهم بفعلتها تلك لم أرَ أحدا منهم طيلة أعوام عديدة، لقد تحملت عبء تربيتهم وتعليمهم، لم أبخل عليهم بشيء طيلة بقائهم معي حتى نالوا أرقى الوظائف وبعد أن شعروا أنهم ليسوا بحاجة إلى أموالي تركوني وحيدا مع خمري وسجائري ، صدقني في بعض المناسبات والأعياد أجلس وحيدا وعيني تراقب الهاتف كأني متسول ينظر إلى أيادي المحسنين علها تجود عليه بما يسد رمقه، وأقول لنفسي لعل أحدهم سيتذكر والده ليقول له كل عام وأنت بخير يا أبي .
– ربما تمنعهم بعض الظروف التي لا تعلمها.
– لا عذر لهم يا بني بعد ان رزقوا بأولاد كان يجب ان يدركوا ما اشعر به . سحب منديلا اخر . مسح عينيه وقال بعد أن وقفت أمام منزله : في بلدانكم يحترم الصغير الكبير ويأبى الولد أن يعيش أباه وحيدا ، ويقبل يد والده التي يضربه بها ويقوم الزوج بتوجيه زوجه كي تكون ودودة مع أبويه ، تأكد يا بني على الرغم من الخراب والدمار في بلدانكم تبقى هذه السجايا والخصال الحسنة هي الثروة التي لا يمكن أن تحصل عليها أغنى بلدان العالم .
أجبته قبل أن يخرج من سيارتي قائلا: يؤسفني يا سيدي أن أقول لك أن هذه الثروة قد اختفت منذ أعوام عديدة ، طابت ليلتك .

About alzawraapaper

مدير الموقع