بعد دخولنا إلى عالم جديد

أحمد الجنديل

أحمد الجنديل

أن تقترب من الحقيقة وتكتب، فهذا الفعل قد يعرضك للأذى ويفتح عليك باب المضايقة والإحراج ما دمت تتحدث عن وطن ملتهب الأطراف، ساخن الأحداث، وعليكَ التحدث من أطراف خفية، وعدم التوغل فيما تريد قوله، وأن تكتفي بالسياحة حول الموضوع، والتنزه حول سواحله، وتقف على التل وتسجل ما تراه، وبعدها يقوم بغربلة ما تريد قوله، وتحتفظ بما تبقى لذاكرتك .
والكتابة عن الاحتلال الأمريكي يجعلك تبسمل وتحوقل قبل الدخول إلى جوهر الموضوع، حيث ما زال البعض يصفق لـ(التحرير) برغم كل المحن التي توالت على هذا البلد الجريح، وما زال البعض يذكرنا بجرائم النظام السابق قبل الاحتلال، ويعرض علينا صور الاستبداد والدكتاتورية والمقابر الجماعية، دون أن يميز هذا البعض بين الحديث عن وطن اسمه العراق وبين حاكم حكم العراق ورحل، ودون أن يفرق بين مصر كوطن وفرعون كشخص، ودون أن تمر برأسه الحقيقة التي تقول: الفراعنة يذهبون والأوطان باقية. وأن الوطن خيمة الجميع، وضياعه ضياع الجميع .
لقد شهد العراق قبل احتلاله أكبر عملية تزييف قهري لقلب الحقائق، وتدجين الرؤوس، وغسل الأدمغة، ومارست وسائل الإعلام الأمريكية والمتحالفة معها أكبر كذبة شهدها العصر الحديث، واستمرت اللعبة الإعلامية تشيع الكذب، وكل كذبة تسحب وراءها كذبة أخرى، فمن أسلحة الدمار الشامل الذي يهدد الأمن العالمي، ويحيل الكون إلى خراب ودمار، إلى بشاعة الدكتاتورية الحاكمة، ومن عرض صور الفقر والمجاعة التي يتعرض لها شعب العراق إلى التباكي والسعي لجعله يابان الشرق الأوسط، وهكذا استمر الإعلام يغذي الرؤوس، وعندما وصلت قوات المارنيز، وعلى أنغام الطائرات الحربية وهي تحرق اليابس والأخضر، وتدمر كل ما تحتها، وتحصد أرواح الأبرياء، وعلى امتداد الفجيعة على جسد العراق، نهضنا من سباتنا على تصريحات الساسة الأمريكان وهم يعلنون، بأسف كاذب، خلو العراق من أسلحة الدمار الشامل بعد تفتيش دقيق لكل جيوبه العلنية والسرية، وأن الاحتلال كان هدفه القضاء على الدكتاتورية، والحفاظ على الأمن القومي الأمريكي، وهي كذبة أضيفت إلى مسلسل الكذب التي دأبت أمريكا على صناعته .
ما حصدناه من الاحتلال الأمريكي هي الحرية التي تجسدت في فضائح سجن (أبو غريب) و(بوكا)، وغيرها من السجون المرعبة، وما لمسناه باليد هو أن العراق نزل إلى مرتبة الصومال بدلا من أن يرتفع إلى مرتبة اليابان، وأن الأمن الذي نحلم به قد حشرته أمريكا في حقائبها، وألقت به عرض البحر، ولم يبق لنا غير قول نردده كل صباح: حسبنا الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله .

About alzawraapaper

مدير الموقع