بداية دخول العربات والسيارات إلى بغداد

طارق حرب

كان يوم الثالث والعشرين من شهر تموز سنة 1916 يوماً مشهوداً ببغداد حيث تم افتتاح شارع الرشيد، وتم ذلك في عهد حكم آخر والي عثماني لبغداد خليل باشا قبل ترك العثمانيين لبغداد ببضعة أشهر، إذ دخل الانگليز في الشهر الثالث من سنة 1917 وترك العثمانيون بغداد قبل ذلك بأشهر، وكان للشارع عدة أسماء قبل ان تضع لجنة سنة 1932 اسم شارع الرشيد، حيث تولت تغيير اللجنة تغيير أسماء شوارع ومواقع كثيرة ببغداد، وكان اسم الشارع الطاغي عند الافتتاح شارع خليل باشا جادة سي على اسم الوالي الذي افتتحه، و(سي) تعني من المرتبة الثالثة في ترتيب المناصب العثمانية كون الوالي في مرتبة وزير والوزير(سي) في الترتيب يسبقه السلطان والصدر الأعظم رئيس الوزراء، وبعد خروج العثمانيين سمي الجادة او الجادة العمومية، وان كان سمي باسم شارع (هندنبيرغ) التسمية ذات الدلالات المعينة لدى الألمان، خاصة ان المشير الألماني القائد العسكري (فون ديرغولتز) توفي في بغداد قبل الافتتاح بأشهر للتحالف الذي كان بين الألمان والعثمانيين، ولما دخل الانگليزي بغداد سموا الشارع شارع النصر حيث استعراض القطعات العسكرية البريطانية المنتصرة، والفائز في الحرب ستانلي مود يحييها، وقد اخترق هذا الشارع الجزء الشرقي من بغداد من باب المعظم حتى محلة السيد سلطان علي، ثم جرى توسيعه ليتصل بشارع أبي نواس، إذ اول ما يصادف الداخل الى الشارع من الشمال جامع الازبك على الجهة اليمنى عند بناية وزارة الدفاع، والى يساره جامع المرادية وينتهي عند قصور الباچه چي ومناحيم دانيال وعبدالقادر وعبد الجبار الخضيري وعبد الرحمن النقيب والقنصلية البريطانية المطلة على نهر دجله والتي ما زالت قائمه، حيث سكن هذه القصور الذوات المذكورون، وسكنها أيضا القائد الألماني (فون دير غولتز) والوالي العثماني خليل باشا، وبعده سكنها قائد القوات البريطانية ستانلي مود، وفي سنة 1926 سكن قصر البغدادي اليهودي مناحيم دانيال الملك فيصل الأول الذي كان يسكنه الملك، إذ لا يوجد سكن للملك بعد غرق القصر الذي كان يسكنه في منطقة الكسره جنوب الاعظمية الذي يملكه اليهودي البغدادي ابن شعشوع والذي ما زال قائما إلى يومنا هذا، وبعد افتتاح شارع الرشيد لم تكن في بغداد سيارات وان كان التاريخ يذكر لنا دخول اول سيارة يملكها الشخصية البغدادية المشهورة حمدي بابان سنة 1908 ، وبعدها دخلت لبغداد سيارة أخرى للوالي العثماني أجاويد باشا، بل كانت في بغداد عربات خصوصيات لعل أشهرها التي كانت تمر بشارع الرشيد قبل دخول السيارات مع الانگليز هي عربة آل النقيب الگيلاني العائلة المعروفة التي تولى السيد عبد الرحمن النقيب اول حكومة سنة 1920، والعربة الثانية تعود إلى اسرة آل جميل وهي من الأسر البغدادية المعروفة، ومن ينسى المحامي حسين جميل الذي استوزر في العهد الملكي مره وأخرى في العهد الجمهوري ونقيب المحامين، والعربة الثالثة تعود الى نصرت باشا، وهذا كان مفتش الجيش العثماني وكان لبعض قناصل الدول الاجنبية، وخاصة القنصل البريطاني، عربات ذوات دولابين يجرها حصان واحد يجلس فيها القنصل الأجنبي الذي يتولى قيادة العربة، وبجانبه زوجته، خاصة ساعات الذهاب الى الباب الشرقي للتنزه، وفي سنة 1920 تم استيراد عشرة (ربلات) من الهند، وكانت هذه اول وجبه منها تعرفت ببغداد عليها، والربلات العشرة الأولى كانت تسد حاجة سكان بغداد في التنقل، اذ لم يكن يعجزهم السير على الأقدام يوم كانت بغداد معروفة الأطراف، فشارع الرشيد كان مركز العاصمة وحوله تتجمع أبنية الجهاز الحكومي وبيوت اهل بغداد، وكانت الربلات تستخدم شارع الرشيد من باب المعظم الى الباب الشرقي، وكان الربل يقوم أيضا بنقل سكان بغداد من الكرخ الى الرصافة، وكانت أجرة الركوب فيه ثلاثة فلوس فقط، وكان احد الأغنياء يملك شركة للمواصلات بين بغداد وتركيا قوامها مركبه يجرها عشرون حماراً، وكان الوقت الذي تستغرقه في قطع المسافة شهرا واحدا.. وكان لظهور الباصات الخشبية في شارع الرشيد دوي هائل فاضطرت السلطات الى استيراد شرطي مرور من أحد البلدان لتنظيم المرور في شارع الرشيد، إذ في عهد الإدارة الانگليزيه كان هناك جندي انگليزي كلف بتنظيم مرور الربلات في الشارع اسمه (أبو ديا)، أي أبو اليد، وممن سمعنا عن هذا انه كان أعضب اليد، لذا جاء هذا اللقب له والكنية وكان سليط اللسان واليد، ولمن لا يمتثل لإشارته يلاحقه، إذ غالباً ما يلاحق أصحاب الربلات المخالفين، ويفرض عليم الغرامات .

About alzawraapaper

مدير الموقع