انتهاء عصر الحضارة

سعد محسن خليل

سعد محسن خليل

إذا كانت حياتنا عبارة عن سمفونية موسيقية جميلة بدايتها الجلوس صباحا في حديقة الدار تحت أفياء شجرة وارفة الظلال محملة بالثمار تحيطها الزهور وتفوح منها روائح القداح العطرة وتنبعث على اسماعنا من جهاز التسجيل صوت المغنية فيروز وهي تشدو بأغانيها الجميلة.. فإن اكثر ما يؤرق حياتنا ويقلب الموسيقى الى ضجيج وضوضاء مزعجة لا يمكن تحملها هو الروتين الحكومي بكل ما يحمله من اثقال ترهق حياتنا الجميلة.. فمن يراجع دوائر الدولة صباحا بعد انتهاء صباح جميل يشعر انه في كابوس يبدأ من بداية استعلامات المؤسسة الحكومية، كابوس ليس له نهاية يطلق عليه “الروتين” وهو مرض يصيب دوائرنا ويجعل المواطن يعيش في دوامة لها اول وليس لها اخر، وقد ابتلى مجتمعنا بعناصر متخلفة تسعى الى ترسيخ هذا النوع من الممارسة، تسهم في شل حركة المواطن ووضعه امام متاهات لا طائل لها من خلال الالتزام بهذا الداء الخطير عكس ما يحصل في دول تجاوزت مراحل متقدمة من الرقي في التعامل مع مواطنيها، ومن ضمنها تجاوز هذا النوع من الممارسة المملة من خلال استخدام تكنولوجيا الاتصالات التي تعد الطريق الاكثر تقدما في اختصار الوقت، وراحة المواطن لخدمة المجتمع بتطبيق نظام
الحكومة الالكترونية لتنفيذ الاعمال الموكلة لها بسهولة ويسر.. ان استخدام نظم تقنية المعلومات يقلل من عدد الخطوات ويتجاوز الروتين المطلوب لتنفيذ الاعمال، ويحول الوظائف اليدوية الى وظائف تلقائية، كما انه يقلل من استخدام الورق ونقل المعاملات بين الموظفين، حيث ان استخدام تكنولوجيا الاتصال داخل الحكومة الالكترونية يجعل نقل المعلومات الدقيقة في الوقت المناسب للشخص المناسب، ويعد البريد الالكتروني من الوسائل المفيدة في نقل المعلومات والوثائق وتوزيعها، ويمكن لهذه التكنولوجيا ان تحسن طريقة خدمة المواطنين، خاصة اننا نعيش ازمة ثقة في ما نمتلكه من وثائق بات اغلبها مشكوكا في اصولها، خاصة الوثائق الشخصية التي ظهرت بعد عام ٢٠٠٣، وتطبيق برنامج الخدمة الالكترونية سيقضي حتما على مشكلة مايطلق عليه معضلة “صحة صدور” التي باتت ووسط تسارع اهمية الوقت، مشكلة المشاكل، فتطبيق هذا النوع من الروتين يضع المواطن على حافة القلق واليأس وتأخير للوقت، وهو في كل الاحوال اسلوب غير حضاري، خاصة مايبرز من جراء مردوداته السلبية من تفشي ظاهرة تقديم الرشوة لما يطلق عليه اسم “المعتمد” الذي يساوم من اجل الاسراع في ارسال ما مطلوب من اجابات على صحة صدور الوثائق، وتحديد المبلغ وفق اهميتها، وهي ظاهرة تؤشر وجود خلل في بنيةالمجتمع.. وحيث ان المجتمعات الحديثة تتجه للحياة البسيطة والبعيدة عن الروتين، وإنهاء دور المعتمد الذي بات حالة قديمة، فمثلما انتهى دور ساعي البريد في توزيع الرسائل بعد انتشار استخدام الرسائل الالكترونية عبر اجهزة الاتصال الحديثة التي انهت دور ذلك الموظف الذي يكد ليل نهار لإيصال الرسائل للمواطنين. ومثلما انتهى استخدام الهاتف الارضي بعد انتشار جهاز الموبايل، فالعالم اليوم بات يعيش في قرية صغيرة بعد ان كان يعيش في عالم مترامي الاطراف، فكل شيء بات اكثر قربا.. ومع الاسف مازال البعض يعيش الروتين بكل تداعياته الاجتماعية.. فهل من المعقول ان ينتظر المواطن معاملة صحة صدور لأسابيع او اشهر لدائرة لا تبعد عن الدائرة الاخرى بضع امتار او كيلومترات، فكيف اذا كانت المعاملة مرسلة الى خارج العراق مثلما يحصل من معاملات صحة صدور لوثائق الوكالات او التوكيل لأشخاص يعيشون خارج البلاد؟ وهل من المعقول ان تستمر هذه المعاملات لعدة اشهر؟ وهل يتم ارسال هذه المعاملات عن طريق استخدام وسائط النقل البدائية كالجمال مثلا؟ ومتى تنتهي هذه الظواهر التي باتت عبئا اضافيا على المواطن ترهق كاهله وتجعله يعيش في دوامة وكأننا نعيش عصر الجاهلية وانتهاء عصر الحضارة؟!

About alzawraapaper

مدير الموقع