اليوم وغدا يا ماكرون

قبل نحو ثلاثة أسابيع كتبت مقالا حمل عنوان «لماذا سكتنا عن وقاحة ماكرون».. وكنت أقصد قوله إن الإسلام مأزوم.. وبينما أيدني غالبية القراء عند تداول المقال في الكروبات أو في الفيس بوك، فإن هناك من حاول إما الاعتراض على مفردة «وقاحة»، أو تبرير ما قاله الرئيس الفرنسي، كونه يقصد أن الإسلام في أزمة، وربما الترجمة لم تكن دقيقة في نقل فحوى ما أراد التعبير عنه.. بالنسبة لماكرون لم يتوقف الأمر عند هذا الحد,فبعد ذبح الأستاذ الفرنسي على يد مسلم متشدد تم التذكير بالرسوم المسيئة للنبي محمد (ص).. وبما أن تلك الرسوم، التي نشرتها قبل سنوات مجلة شارلي آبدو، تحت باب حرية التعبير، أثارت موجة عارمة من الغضب بين المسلمين ترتب عليه الهجوم المعروف على المجلة والنتائج التي ترتب عليها,فإن تكرار الإساءة سواء كانت للإسلام كدين سماوي له من الأتباع ما يصل الى أكثر من مليار ونصف مليار مسلم، أ لنبيه العظيم، لا يمكن قبوله أو السكوت عليه.
ولعل الأهم من ذلك إنه في الوقت الذي يمكن أن يخوض المتطرفون أو المتشددون أو الملحدون أو المنادون بحرية التعبير بلا قيود من كل الأديان والأقوام في مسائل من هذا النوع,لكن يصعب قبول ذلك من رئيس دولة بحجم فرنسا.. ولفرنسا، مثلما يعرف الجميع، وبرغم تاريخها الاستعماري البغيض، لاسيما في بلدان المغرب العربي، علاقات باتت متميزة مع بلدان العالمين العربي والإسلامي، وبالتالي فإنه حين يخوض رئيس الدولة نفسه في قضايا هي من اختصاص أو شواغل مراكز الأبحاث والدراسات والأكاديميات، فضلا عن رجال الدين أو المفكرين والمثقفين,فإنه يضع علاقة بلاده على المحك السياسي والدبلوماسي مع معظم، إن لم نقل كل، هذه الدول.
الدول حتى إن أرادت الحفاظ على سيادتها أو هويتها أو الدفاع عن هذه السيادة والهوية ضد ما تفترضه غزوا فكريا دينيا متطرفا، فإنها يمكن أن تدفع أطرافا معينة للدفاع عما تؤمن به، لا أن يتصدى رئيس الدولة بنفسه الى مثل هذه الأمور التي لا تصل إلى حد تهديد الأمن القومي.. ولعل ماكرون يعرف أن المسلمين أنفسهم هم من بين، بل ربما هم أوائل ضحايا المتطرفين من أبناء دينهم. كما أن الرئيس ماكرون نفسه يعرف أن الأصولية والتطرف هي ليست حكرا على الإسلام والمسلمين، بل هي ظاهرة موجودة في كل الأديان.. وكثيرا ما حصلت حالات كثيرة قام بها متطرفون مسيحيون أو يهود ضد مسلمين وهي معروفة، ومنها حوادث الأقصى في فلسطين والمسجدين في نيوزلندا، وحالات غيرها، فإن المسلمين لم يعمموا التهمة لتشمل الديانتين المسيحية واليهودية.. ولا أعرف إن كان الرئيس ماكرون، وهو مثقف بلا شك وتلميذ لواحد من أهم فلاسفة فرنسا، بول ريكور، يعرف أن الإسلام الذي هو خاتم الأديان يكن كل التقدير والتبجيل والاحترام للنبيين الكريمين موسى وعيسى (عليهما السلام) اللذين لا يقبل المسلمون أية إساءة لهما من أي طرف كان.
آخر ما أتمناه أن ينزل السيد ماكرون من «بغلة» العداء للإسلام لأن من شأن ذلك زيادة الشحن والبغضاء الذي نحن بأمس الحاجة إلى الابتعاد عنه.

About alzawraapaper

مدير الموقع