الوضع الراهن وجبروت القوة

احمد الجنديل

احمد الجنديل

وسط التجاذبات الساخنة التي يشهدها العالم وما يرافقها من موجات الموت والدمار التي تنصب على الشعوب التي لم تكن يوما تعرف لعبة الحرب ، أصبحت الكتابة نوعا من المقامرة ، حيث الخطابات تتعالى والبالونات الاعلامية تتطاير والاجتماعات تدار من قبل الاقوياء ، وكل جهة تمسك بذيل الشرعية الدولية وتنادي بها ، وكل دولة تضع نفسها حامية للقانون وتطالب بتطبيقه وفق ما تمليه مصالحها .
في هذا العالم المتسم بالشراسة والعدوان ، يقوم الساسة الكبار بالأفعال الشنيعة ويتباكون على حقوق الانسان الذي فقد انسانيته جرّاء الجوع والمرض والجهل ، يتراقصون على مسرح الحلال والحرام ، يتنابزون بالألقاب ويتفاخرون بسطوة السلاح ويتظاهرون بالحكمة ، ومع كل نوبة جنون تقدم الشعوب أرواحها من أجل بقاء اللعبة مستمرة وسط فرقعات الشعارات الكبيرة والخطابات الرنانة .
وفي هذا العالم الذي يسير بالمقلوب ، تكون الكتابة ضربا من ضروب العبث ما دامت البندقية تمتلك سطوة القرار ، وما دام الحق الى جانب القوي حتى لو ارتكب ابشع المجازر ، وتطاول على أرفع القوانين ، وتخطى كل الحدود ، وعندما تكون الفوضى شاملة يهرب العقل من الرؤوس وتحل محله الرصاصة الطائشة التي لا تعرف غير منطق القوة .
السياسة التي تفرضها القوة الغاشمة تقتضي ان يمرر القوي ما يريد تحت غطاء الدخان الكثيف ، ومع كل انتهاء صولة تحتل بلدان وتسحق شعوب وتصادر حقوق ، ومع كل ما يحدث يخرج الساسة الكبار يهتفون بالحرية ويرفعون لائحة حقوق الانسان ويتبجحون بالديمقراطية ، وعلينا دفن رؤوسنا في الرمال ، ونستسلم لإرادة القوي رافعين الرايات البيض ، متضرعين الى الله أن يمنّ علينا بالأمن والسلام .
ما يحدث على هذا الكوكب الملوث بدماء الابرياء وصراخ الايتام وعويل الارامل ، البعض يقتل البعض من أجل ان تزدهر الحياة ، والبعض يمارس الخيانة مع البعض من أجل ان يورق السلام ، وفي العالم الثالث يموت الجميع ارضاء للقوي ، يحتل اوطاننا ونصفق له ، يسرق خيراتنا وندعو له بالنجاح ، يثير الفتنة في صفوفنا فنبارك له ما يقوم به ، يملي علينا ارادته فندين له بالولاء المطلق لكل ما يقوم به ، وعندما نلتفت الى أنفسنا نجرد سيوفنا من أغمادها ونباشر بالقتال مستحضرين كل أشعار الفخر والحماسة التي كان يتغنى بها عنترة العبسي ترويحا للكبت القاتل والاحباط المرير والخيبة الكبيرة التي نعاني منها .
في هذا العالم ما عادت أقلامنا تجيد غير النواح ، وما عادت حناجرنا تصدح الا بالبكاء على ما فعله الاقوياء بالشعوب الضعيفة التي تمارس حياتها المعاقة على هذا الكوكب .
لا يمكن للقلم الرصين العيش في جوار الرصاصة الغادرة ، ولا يمكن للعقل السليم التسليم بما يفعله الأقوياء اليوم .
الى اللقاء .

About alzawraapaper

مدير الموقع