الوصية الخالدة

احمد الجنديل

احمد الجنديل

كانت العواصف تجتاح الوطن ، والازمات تأخذ بخناقه ، ومع التحام الازمات بالعواصف ، كتب الشيخ الحكيم وصيته الخالدة الى ابنه الوحيد والتي تضمنت ما يلي :
( لا احد يستطيع اغتيال الشمس داخلك ، وليس ثمة قوى تستطيع اغتيال خيالك ، وخرافة تلك التي تقول : ان الصحارى تحاصرك لتقطع عنك طريق الابحار صوب شواطئ الضوء .
ابدا بالمحاورة مع راسك ليشرع لك ابوابه بصمت ، واشرع بالمناورة مع لسانك ليغلق منافذه بحياء ، وتأكد ان ما يدور براسك وعلى صفحة لسانك يتغذى احدهما على الاخر ، فاعقد القران على الراس واعلن الطلاق من اللسان ، وتقدم .. قاتل بضراوة من اجل ان تخلع كلماتك خوفها الذي الصقه الوهم بها .
وساعة الانتصار ستجد كلماتك عارية الامن الصدق ، نازفة بالبهجة ، متوجة بالكبرياء ، ملتهبة بالإحساس .
وتقدم .. وسع خطواتك ، احذر الوهم ، وعندما تنام يكون رأسك قد افرغ من داخله ما تريد قوله .. فقل كلمتك وارحل .
ازرع نفسك وتدا في الارض ، فالعواصف لا تكتسح سوى النفايات ، ولتكن اخر ضرباتك سببا في سحقها تحت نعليك ، واذا لم يبق سوى خيار الموت فاقذف موتك بشموخ في وجهها لكي تنحدر عند قدميك .
ابصق في وجه الخفافيش الوسخة ، فالعواصف عندما تهب ترافقها الخفافيش التي تمتلك القدرة اكثر من النسور الصلعاء على اكتشاف اسرار الليل .
احذر الهرولة في مواجهة العاصفة قبل ان تتعلم السير ، وتأكد ان العاصفة اكثر ما يخيفها ويرعبها الثبات .
وانت في عين العاصفة ، اغلق منافذ خوفك ، اقتحم عنفها بعنف ارادتك ، احرق احتمال الاستسلام .
وعندما تكبو لا تصرخ ، فالصراخ لا يليق بالمواجهة .
انهض بقوة ، العق جراحك بصمت واندفع صوب منابع قوتها ،
اقتحم معاقل اسرارها ، وتقدم ، انطلق ، افتح صدرك لسهامها ، اكشف وجهك امام جنونها ، افتح عينيك لابتلاع بشاعتها ، ومع صبرك وشجاعتك تنحني امامك العاصفة ، تنحدر شراستها ، يتهاوى جبروتها ، عند ذاك ستعرف من اي المعادن انت ؟
احذر المناورة ، انتبه لخطواتها المنكسرة ، تشبث بزمام المبادرة حتى النهاية ، فالعواصف كثيرا ما تحمل في قلبها الغدر والرجال دائما لا يملكون غير رجولتهم في مواجهة كل اصناف العواصف ).
كتب الشيخ وصيته بعد ان جزت دجلة جدائلها خوفا من استباحتها وهي بعد صبية ، والفرات ارتدى الحداد ودفن وجهه في رماله وهو ينزّ خجلا .
في تلك اللحظات التي اعلن فيها عن مجانية الذبح لكل الوان العشق الانساني كان الشيخ منهمكا في كتابة وصيته ، وعندما انتقل الى جوار ربه بقيت وصيته عالقة في رؤوس الجميع وحتى يومنا هذا .
الى اللقاء

 

About alzawraapaper

مدير الموقع