النظـر فـي المـرآة ودلالتـه علـى الهـلاك فـي تعويــذة علام

د.خالد محمد عبدالغني

تعتبر المرآة جزءا أساسيا من الحياة اليومية للرجل أو المرأة على حد سواء، وإن كانت تزداد أهميتها بشكل أكبر لدى النساء، فهي بالنسبة إلى أي فتاة رفيقة النفس والصديق الأهم لجمالها ومظهرها وروحها، تنظر إليها بوله قاطعة فترات من الزمن غالبا ما تتجاوز حاجز الساعات، فتصبح عضوا مهما في حياتها وتقضي معظم الوقت معها، وهو ما يجعل الأمر يدخل في إطار المضاعفات النفسية والتي قد تستدعي الابتعاد عن المرآة لحفظ العقل والنفس وضبط السلوك.
وفي الحس الشعبي المصري تنصح الجدة والأم البنات بعدم الإكثار «من النظر والتحديق» في المرأة قائلين ومحذرين «كفاية بَصْ في المراية لحسن تِتْخِيَلي».
والسؤال كيف وعت المرأة المصرية والذاكرة الشعبية والثقافة الشفاهية أن النظر في المرآة يمكن أن «يَخْيِلْ» البنات ؟ وهل قرأت المرأة المصرية عن مرحلة المرآة كما صاغها المحلل النفسي الفرنسي «جاك لاكان» ؟
ومرحلة المرآة تساعد في نمو ضمير المتكلم «أنا» ففي سن مبكرة جداً بين الشهر السادس و الشهر الثامن عشر يبدأ الطفل بتطوير قدرة التعرف على صورته في المرآة، التي تشكل له وحدة جسدية متكاملة ينتحلها لنفسه مما يمنحه حسّاً بالكمال والوحدة، كما يمنحه وعياً بفكرة الاختلاف والانفضام عن الغير. غير أن الكمال هذا مجرد وهم يتعارض مع معايشة الطفل لتشظي جسده وتشظي تجربة الجسد نفسه. ويثبت الطفل وعياً بالرابط بين حركاته وسلوكه وبين مثيله المنعكس في المرآة. كما يدرك لاحقاً أن الصورة المنعكسة ليست صورة مطابقة تماماً له، وإنما هي صورة مثالية جسدياً واتحاداً يسعى الطفل للتماهي معها، وتكون أرضية لتكون (الأنا) قبل أن تحدد اجتماعياً ( )..
والسؤال المهم هو ما دلالة كل ماسبق في رواية «تعويذة علام» لـ علياء هيكل( )، خاصة أن النساء في إحدى الدراسات العلمية لم تستطعن منع أنفسهن من رؤية انعكاس صورتهن على زجاج النوافذ أو حتى واجهات المحال التجارية في الشوارع، وهو ما يعكس نزعة المرأة إلى ذاتها، وحاجتها الدائمة إلى رؤية مظهرها وهيئتها. ومع مرور الوقت ودخول التجربة أيامها الأخيرة، بدأ المشاركون يشعرون بالضعف والقلق والتوتر، لأنهم قضوا أياما دون أن يرى أحدهم مظهره.
ومنذ بدء البدء حين نطالع الإهداء الذي كتبته المؤلفة نكتشف أمرا مذهلا وكأنها تريد أن تكشف عن عمق رؤيتها لتأثير المرآة في اللاشعور الذي يهلك المرء أحيانا بل غالبا فتقول :
«أهدي هذا الكتاب إلى روح جدي الخالدة والذي كان له بالغ الأثر في إثراء مُخَيلتي بحكاياته وقصصه الرائعة التي لم تكن لتنتهي أبدًا.. أتمنى لك يا جدي أن تكون الآن في عالمٍ آخر أفضل من عالمنا هذا.. فروحك الطاهرة تستحق ذلك.. وأهديه كذلك إلى أبي.. هذا الرجل العظيم الذي علَّمني القدرة على الصبر والمثابرة.. وأعطاني دروسًا كثيرة في معاني الكفاح والتضحية وإفناء الذات.. أبي.. ستظل لي بطلًا على الدوام..»
نقف عند قراءة الإهداء على معنيين:
الأول: هو الجد الذي علمها من خلال حكاياته «إثراء مخيلتها» – فالخيال هنا سيكون مرادفا فيما بعد لما تفعله المرآة من أثار النرجسية وعشق الذات المتخيل- .
والثاني: هو الأب الذي علمها معنى التضحية و»إفناء الذات».
وهذا هو البعد الدرامي المأساوي في النرجسية «الموت» فالأسطورة أكدت على عشق الذات التي ظهرت في الصورة المنعكسة على صفحة الماء باعتبارها مرآة ، ومن ثم أعقبتها العزلة والاكتفاء بالذات، وبالتالي كانت النتيجة الحتمية ، هي فناء الذات وموت نرجس .
أي امتلاك للقدرة على النفاذ لعمق الأسطورة في هذا الإهداء المدهش والمفاجئ في آن، وأذهب إلى أن مرده – العمق في النفاذ – لابد وأن تكون خبرات سابقة قديمة في صبا المؤلفة ومراهقتها للتحذير من مغبة عشق المرآة حتى لا «تَتْخْيَلْ» فيصيبها من الضرر والشر ما لا تحتمله في مستقبل أيامها.
وتحكي القصة عن فريدة فتقول :
« منذ أيام قليلة توفيت جدتي «رقية» جدتي لأمي تاركة لي الوحدة وشعورًا عميقًا بالغربة من دونها..كانت هي صديقتي وأمي التي احتوتني بعدما تُوفيَّت أمي وكنت لا أزال وقتها في الثانية من عمري وقد بلغت الآن السابعة والعشرين.. قالت لي جدتي إن أمي توفيت على أثر حمى شديدة أصابتها، ولم يستطع الأطباء علاجها…. وماتت وهي توصيني بوصية غريبة..!! قالت أربعة كلمات فقط « ارمي كل اللي في البدروم ومتفتحيش مقفول ولا تنبشي مردوم «، وفتحت فريدة الصندوق فوجدت فيه ورقة صغيرة مصفرة اللون..! على ما يبدو أنها قد كتبت منذ وقت طويل، وقد طويت ووُضعَت فوق قطعة من القطيفة الحمراء والتي لُف بها على ما يبدو شيء معدني من الفضة قد ظهر جزء منه من بين ثنايا القماش.. ودون تردد كشفت عن ذلك الشيء..فوجدته مرآة..! نعم إنها مرآة.. واستعجبت.. لم كل هذا الحرص والاهتمام لمرآة..؟! وزاد تعجبي عندما لم أجد شيئًا آخر سوى المرآة والورقة الصفراء القديمة..!
وسترى فريدة أيضا في هذه المرآة كل المآسي والتارخ المؤلم لعائلتها وكيف قتل جدها الكبير جدتها، وكيف ظهرت الخيانة في تاريخ عائلتها للدرجة التي جعلت أبوها يخون أمها مع أختها / خالة فريدة / فتموت الأخت وتنتحر الأم، وتقتل الجدة والد فريدة انتقاما لبنتيها بوضع السم في القهوة . وحول ذلك تقول فريدة عن أمها :
« ما زال أبي واقفاً في مكانه عند باب الشقة، لم يتحرك.. ! تقترب من باب غرفة النوم التي يخرج منها ضوء خافت.. تنظر في حسره يعتصرها الألم إلى الفتاة المضجعة وهي شِبه عارية على السرير..!
ما هذا؟! إنها زهرة خالتي..!!
تخرج من باب العمارة متجهة إلى سيارتها التي تركتها حتى دون أن تغلقها.. الدموع تتساقط من عينيها.. تحاول أن تمسحها بيديها فتغالبها الدموع..فسمعت صوت صرخة عالية.. تبعها صوت ارتطام قوي على الأرض.. التفتت أمي وراءها في حزنٍ.. لترى أختها ملقاة على وجهها وقد تدفقت الدماء بغزارة منها… وانطلقت بسيارتها ولكن.. احترسي يا أمي.. احترسي.. أمي.. أمي.. لا.. لا.. ! اندفعت بسيارتها لتسقطت بإرادتها في مياه الترعة.. أرادت أن تنهي حياتها المحطَّمة بنفسها!
وفي المعرفة يكمن الشقاء والأسى أيضا فماذا كان مصير أوديب حين سعى لمعرفة ذاته أكثر وأكثر ؟ .

About alzawraapaper

مدير الموقع