النص الملعون

ناطق خلوصي
استعير عنوان هذه القراءة من المقدمة التي كتبها فؤاد التكرلي لروايته “بصقة في وجه الحياة” وجاءت بعنوان “مقدمة لنص ملعون” وهي الرواية التي أحيطت بجدار من العزلة النقدية ، في العراق على وجه الخصوص ، لسببين على ما أعتقد ، أولهما ان الرواية ظلت مخطوطة حبيسة مكتبة التكرلي لخمسين سنة دون أن يجرؤ على نشرها ( وحين نشرها بدأ كأنه أراد أن يعتذر عنها بهذه المقدمة )، ويتمثل الثاني في كون مضمونها ينطوي على حساسية خاصة فهو ينتاول موضوعة غشيان المحارم والعلاقة المشينة بين الأب وابنته وهي موضوعة كان تناولها ولا يزال موضع اعتراض ورفض اجتماعي وأخلاقي يستلزم الاقتراب منه قدراً كافياً من الجرأة والقدرة على مواجهة ردود الأفعال . وقد برر التكرلي نشرها برغبته في توثيقها كأول عمل سردي كتبه في مطلع شبابه . كان قد واصل كتابة هذه الرواية عام 1948 أيام وثبة كانون التي اسقطت حكومة صالح جبر ومعاهدة بورتسموث الجائرة حين كان الشعب العراقي قادراً على أن يفرض ارادته ، ولعل تأثره بأحداث الوثبة ، وقد شارك فيها كما جاء في مقدمته للرواية ، كان دافعاً له لكتابتها وربما أيضاً لاختياره بطل الرواية محيي وهو معاون شرطة متقاعد متهم بتقاضي الرشوة ، وإمعاناً في اسقاطه أدانه أخلاقياً. يقول التكرلي في مقدمته : “منذ اليوم الأول للوثبة كنت شاهداً على تحدي الشعب وانفجاره . كان ذلك صباح يوم 5/1/1948 وكان صباحاً مشمساً دافئاً وجميلاً ، وكنا متجمعين بهدوء أمام الكلية والمقهى ، نسعى بتردد أن نلتحق بجموع الطلاب في دار المعلمين العالية لنقوم من هناك بالاعلان عن غضبتنا …… كنا نقف على امتداد الشارع ونحن نهتف ضد السلطة ….. حين شاهدت فجأة ذلك الشرطي معتلياً حصانه وهو يهاجمنا ويتقدم بسرعة نحونا . ثم لحظات ، وإذا بطابوقة أسرع منه تنهال عليه من لا مكان وتلطمه في رأسه” .. كان التكرلي آنذاك في مطلع شبابة وما يزال طالباً في سنته الثالثة في كلية الحقوق ويعمل في وزارة العدل في الوقت نفسه . يقول : “كنت في الحادية والعشرين من عمري أنام بمفردي في غرفة صغيرة جداً شبه جرداء تلطخ جدرانها بقع الرطوبة على جانب من حوش دارنا المستأجرة في رأس الساقية احدى محلات باب الشيخ”. يعتمد التكرلي نسق اليوميات الذي اعتمده في رواية “المسرات والأوجاع”، فصارت التواريخ بديلاً لأرقام أو عناوين الفصول . وقد ظل محيي يكشف عما في داخله من نوازع وهواجس وارهاصات ويعبّر عن الأفكار التي يؤمن بها . ومحيي هذا رب أسرة له ثلاث بنات تمردن على سلطته كأب وانحرفن أخلاقياً حتى ان ابنته فاطمة كانت تعود مع زبون في سيارة أجرة في حدود الساعة الثالثة بعد منتصف الليل دون أن يحاسبها أو انه كان أعجز عن أن يحاسبها أو ربما يتغاضى عن ذلك لغرض في نفسه ، إذ لم يكن الأمر يتوقف عند حدود غض النظر عن سلوك بناته الشائن وانما يتعدى ذلك إلى الرغبة فيهن واشتهاء أجسادهن وكأنهن لم ينزلن من صلبه ولعله كان يرى فيهن البديل الذي يمكن أن يعوضه عن زوجته التي يقول عنها “كانت كأنها جثة مشوهة تشمئز منها النفس وتميل عنها”. ومن بين بناته الثلاث كانت فاطمة تستاثر باهتمام خاص منه وكانت رغبة خفية تشده اليها . وليست ابنته الأخرى صبيحة بمنأى عن شهواته انه بغادر جلد ابوته وينمسخ إلى كائن لا انساني مهووس بالرغبة في التهام جسدها . ومثلما لاحق بعين شبقة جسد ابنته صبيحة وكانت على وشك أن تتعرى أمامه ، لاحق جسد ابنته فاطمة الأثيرة لديه وهي نائمة ولم يتوقف عند حدود مراقبتها عيانياً وانما تشهاها تلك اللحظة فأفصح عن نيته الدنيئة ، وبدا ان جنون الشبق قد استبد به آنذاك لكنها لم تستجب له فخنقها بيديه . صدرت هذه الرواية عام 2000 عن دار الجمل في كولونيا ــ ألمانيا ، وجاءت في خمس وتسعين صفحة يغطي النص الروائي ثمانين صفحة منها وزينت الغلاف لوحة الفنان الكبير محمود صبري، وانتهت بأن أنزل التكرلي بطله إلى الحضيض باستحقاق .

About alzawraapaper

مدير الموقع