الناقد والروائي السومري الشويلي وروايته “أوراق المجهول”

د. باسل مولود التكريتي
وصلتني قبل فترة رواية اوراق المجهول للناقد والروائي داود سلمان الشويلي،ط١، نشر وتوزيع دار متن – بغداد.
تألفت الرواية من سبع عشرة ورقة وورقتين خارجية. لم يقع اختيارنا على هذه الرواية اعتباطيا أو عفويا، فلقد اخترنا اوراق المجهول لأنها رواية تتحدث عن حياة عائلة عراقية بسيطة مؤلفة من الاب والام وثلاثة من الابناء مع الجدة تعيش في احدى قرى الجنوب العراقي، لاتمتلك ألا ابسط مقومات الحياة كتبت بطريقة حرفية عالية المستوى، كاتبها يجيد استخدام لغة الرواية الحديثة.
تصور معيشة العوائل البسيطة ، وهي تنقل الصور البسيطة والجميلة للبيئة العراقية بصورة عامة، والجنوبية بصورة خاصة في سنوات السبعينيات ، وتتناول الظروف الاجتماعية والاقتصادية، والتقاليد الاجتماعية في المجتمع الريفي العراقي.
يتخذ الشويلي ، شأنه شأن جميع الروائيين من أبناء جيله ، اللغة العربية الفصحى الحديثة وسيلة لسرد الأحداث في مجمل رواياته، وهي لغة شديدة الصلة بالبيئة وبالمحيط الذي تدور فيه الأحداث، نقول ونؤكد أنه لا يجوز لنا الحديث عن اللغة بمعزل عن الإطار الزماني والمكاني، وبمنأى عن شخصيات الرواية، لأن هذه العناصر كلها وثيقة الصلة ببعضها البعض. ولقد رأينا أن الكاتب قد وظف لغة السرد التصويرية القادرة على نقل البيئة الجنوبية خاصة والعراقية عامة. كانت لغة الرواية غزيرة المعاني ، بسيطة التركيب، سهلة الفهم تخاطب العقول والمستويات الثلاثة للقراء بشكل دقيق ومفهوم بسيط ان صح التعبير أنها من النوع السهل الممتنع.
تمكن الكاتب الشويلي ، منذ الصفحة الأولى من رواية اوراق المجهول ، أن يقنع المتلقي بصدق الوصف والتصوير، وكأن احداث الرواية لا تكتب الا بهذه اللغة، وبهذا الأسلوب الدال والإيحائي، فهي لغة مطعمة بنكهة الأجواء التي تعيشها الاسرة العراقية البسيطة وتناولت العلاقات والطقوس والحوادث بشكل بسيط وسهل مع احكام الحوادث بالكثير من العفوية والوضوح والتكامل ، وادرك الكاتب بحقيقة مهمة هي يجب ان تكون لغتة ذات إيحاء دال على الأجواء البسيطة التي تبطن الكثير من التقاليد الاجتماعية.
يستطيع القارئ أن يلاحظ أجواء الترقب لكل الحوادث التي اوردها الكاتب ، لا من خلال الوصف فقط، بل من خلال التفصيل الدقيق للحوادث ، ومن خلال تكرار الافعال المضارعة التي زادت من أيقاع السرد واعطاء قيمة عالية مسيطر عليها ومتوازنة، وكأننا إزاء مقطع من مسرحية يغلب عليه عنصر المشاهدة بأم العين، ما يعني أن هناك مشاعر جياشة في النفوس تفور وتغلي وتتأهب، فكانت كل مفردة لها دورها، وكل فعل له إيحاء.
اغلب الاحداث جاءت على لسان السارد بضمير الغائب، وهو راوٍ مشرف كلي معلق. هذا الأسلوب السردي التقليدي المتبع في مثل هذا النوع من الروايات ، لكن الشويلي – الذي يتستر من وراء الراوي- تمكن من توظيف عدة وسائل أسلوبية جعلت السرد بعيدا عن التقريرية والمباشرة.
أما الأجواء فهي أجواء قروية طيبة كالبناء البسيط للدار ومحتوياته البسيطة وطريقة بنائه وسقفه الخشبي المغلف بالحصير والمطلي بالطين ، فضلا عن تلك الصور لهطول المطر ولسعات البرد القارصة ، في ظل زمان حدده الكاتب بعينه، ندركها من خلال الصورة الشاملة التي تعكس أجزاء من النسيج الاجتماعي في تلك القرية وما حولها.
لمح الكاتب للقارئ، من خلال اللغة الوصفية، تلك الأجواء العراقية التي اصر الشويلي على نقلها للمتلقي لتتم عملية الإيهام بالواقع وذلك من خلال التصوير الدقيق للبيئة تصل الى ادق التفاصيل وكما ذكرت سلفا.
وخلاصة قولنا أن اللغة هنا في هذه الرواية ارتبطت بالفضاء الروائي ارتباطا عضويا وثيقا، والملاحظ ان الشويلي لم يتحدد في كتابته لاحداث هذه الرواية من خلال وصف معالم الشكل الخارجي فحسب، بل من خلال عدة مركبات، منها العادات والتقاليد والشراب والمأكل والملبس والاجواء المكانية، وطريقة التصرف. فالأوصاف البيئية كلها عراقية جنوبية بحتة . ولو قمنا بمتابعة القراءة فسنجد هذا الجانب بوضوح، إذ أن نص رواية اوراق المجهول اللغوي اعتمد على صور وتشبيهات تتداخل فيها الاماكن والاحداث لتعطي نكهة عراقية وخير فعل للكاتب عندما دارت دورة لغته حول المكان بشكل ملفت للنظر وتستحق الثناء..

About alzawraapaper

مدير الموقع