المنتفعون والقرار الجريء

د. موفق عبد الوهاب

د. موفق عبد الوهاب

بلد مثل العراق يمتلك حضارة تمتد لآلاف السنين كان وما زال رقماً صعباً على صعيد الموارد البشرية والكفاءات الوطنية في المجالات كافة سواء كانت علمية أم إنسانية ليس على المستوى العربي فقط، بل تعدى ذلك لجميع دول العالم، والمجال الرياضي أحد المجالات التي أثبت العراقيون تميزهم وكفاءتهم فيها وجعلتهم مطلباً لكثير من دول المنطقة التي إستفادت من قدراتهم وخبراتهم العملية فضلاً عن إبداعات بعضهم وتميزهم في مجال عملهم والأمثلة على ذلك كثيرة.
لذا حصلت هجرة كبيرة للكفاءات الوطنية خلال العقود الثلاثة الماضية صوب دول المنطقة والعالم بحثاً عن فرص عمل وسعياً لتطوير الذات، فضلاً عن الحصول على التقدير والإحترام لـ كفاءاتهم التي إكتسبوها في بلدهم عبر سنوات طويلة من الدراسة والكفاح والتجارب العملية، وكانوا يُمنَّون النفس من أجل تقديمها لبلدهم وخدمته كـجزءٍ من رَدِ الدَين لكنهم إفتقدوا لهذه الجزئية ولم يتم الإستعانة بهم وتوظيفهم في المكان المناسب لقدراتهم وكفاءاتهم، فأصبح العراق بيئة طاردة وليس جاذبة لأبنائه وكفاءاته بشكل مؤرق، وأضحى الموضوع المتجسد على أرض الواقع أشبه بالظاهرة لكونه لم يحظَ بإهتمام المعنيين وإلتزامهم الصمت تجاه هذه الهجرة التي منحت الضوء الأخضر لمجيء كثير من المنتفعين أو الأقل كفاءة بديلاً عن هذه الكفاءات الوطنية.
إن الكتابة في موضوع محاربة الكفاءات الرياضية وهجرتهم بسبب الإهمال والتهميش ليس جديداً، وتكرار الحديث عنه قد يُزعج بعض المسؤولين المعنيين بالأمر، وقد نجد من يخالفنا الرأي لا لشيء محوري وجوهري بل لكونه يُطبل وينافق للمنتفعين الذين أصبحوا أصحاب القدح المُعلى لدى أصحاب القرار في الشأن الرياضي، ولننظر إلى واقع البعض من أنديتنا وإتحاداتنا ومؤسساتنا الرياضية الأخرى، ومن يقودها؟ هل هم أفضل الموجودين؟، لكوننا ننظر مباشرة إلى رأس الهرم ومَنْ حوله عندما نجد تراجعاً وضعفاً في مستوى العمل الجماعي والأداء العملي لأي كيان رياضي، وإذا ما أردنا معرفة السبب في ذلك الضعف والتراجع سنجد أن السبب الرئيس هي تلك الفئة السيئة المحيطة برأس الهرم كونها تعمل على تهميش ومحاربة المبدعين والكفوئين، والأدهى من ذلك الذي يجلس على كرسي المسؤولية الأول يثق بهم وبأقوالهم ويستمع لهم ولكل ما ينقلونه له عن هذا الشخص أو ذاك الذي يفوقهم سمعة وأجدر منهم عملاً، دون أن يتأكد ويتحقق من صحة ما ينقلونه له لا سيما وأن أغلبهم ليس كفوءاً وجديراً بالكرسي الذي يجلس عليه وتسلق إليه على حساب أهل الإختصاص والكفاءة بكل أسف.
وإذا ما عَملَ الكفوء والمبدع في مؤسساتنا الرياضية فأغلبهم لن يُعمر طويلاً لكونه لن يستطيع الإندماج مع الفئة السيئة والتكيف مع أساليب عملها الفاشلة، ما يؤدي إلى إبتعاده سريعاً إحتراماً لنفسه وحفاظاً على سمعته ومستواه العلمي والعملي والنتيجة ستكون خسارة الوطن لأحد أبنائه المخلصين المبدعين، لذا فإن التساؤلات تتزايد يوماً بعد آخر بشأن الإصلاح الرياضي ومتى ستحصل الثورة التصحيحية؟ وهل أصبح التغيير المنشود مستحيلاً؟ أم أن طريقة التنفيذ صعبة على أصحاب القرار في الشأن الرياضي؟، فالوضع العام لرياضتنا وصل إلى مرحلة تحتاج لإنتفاضة وتغيير جذري، ثم قرار جريء أساسه إصلاح رياضة بلد بأكمله.

About alzawraapaper

مدير الموقع