المكان … بين ذاكرتين … ( أيّام طبرق) 1 انموذجاً

بلاسم الضاحي
المكان :
وردت تعريفات كثيرة في المعاجم اللغوية للمكان منها تعريف ( الفيروز آبادي ) اذ عرفه ( المكان بمعنى الموضع والجمع أمكنة وأماكن ) وهذا تعريف مادي معلوم خارج فاعلية ما يحدثه المكان داخل النص كاداة تثوير واستذكار ونمو وإيحاء يقرّب المعنى خارج كينونة المكان الماديةالتعريفية الاولى له على انه جزء او حيّز ما من الكون ، المعنى ان للمكان وجود طبيعي ووجود افتراضي الاول أوجدته الطبيعة والآخر يفترضه النص ويخلّقه من جديد وحسب ( جاستون باشلار ) ( المكان الذي ينجذب نحوه الخيال لايمكن ان يبقى مكاناً غير مباليًا ، ذا ابعاد هندسية وحسب بل لكلِّ ما للخيال من تحيّز )
الذي لا يهمنا تعريف الفيروز آبادي للمكان هنا والذي يهمنا اشتغال الخيال حين يكون قرينًا للمكان وما يشكله من اهمية فنية في النص خارج هيمنته الجغرافية بمعنى ادق ما يهمنا هو كيفية توظيف المكان خيالياً وبذهنية خيالية قادرة على اخراج المكان من هيمنته الجغرافية الى تشكيل شعري ، تأويلي ، مُنتج والدخول به الى آفاق معبرة تحمل دلالاتها وليس للمكان اهمية اذا لم يعيد إنتاجه الشاعر بغير ذلك يظل المكان مجرد طللاً لا حياة فيه ، الذي يهم في استلهامه من المكان هو ( تكوينه الذاتي بما يمتلكه من عناصر بنائية تسهم في بنية النص )
الشاعر هو الذي يحيي المكان ويبث فيه الحياة ويمنحه بعدًا ثقافياً جديداً داخل النص يختلف عن وجوده خارج النص اعني وجوده التاريخي .
الكون بأسره هو مكان و ( طبرق ) جزء من المكان الكوني كيف حوله الشاعر الى سؤال ؟ انطلق منه وفرضه على المتلقي لإعادة تمثله واستثمار طاقته في انتاج معنى .
طبرق ، الصبيّة الناعمة
تجلس بين ابيها المتوسط وامها
الصحراء
وبكلمات الاولاد وابتساماتهم
تريد ان تزيل الخلاف
بين امها والبحر .ص 58
بفعل الخيال الشعري حوّل الشاعر ( طبرق ) المكان من طلل الى كائن منحها الحياة وكينونة جديده / الاولاد وابتسامتهم / وأعطاها اهمية فاعلة حفزت البحر ومنحته حياة كائنة وكذلك الصحراء / امها / في النص لم تعد طبرق مكاناً جغرافياً وانما صيّرها / الخيال / الشاعر الى كائن حي وواسطة محبة وسلام .
( طبرق ) هكذا يقول عنها الشاعر ياسين طه حافظ في مقدمة ديوانه محل بحثنا ولمن لا يعرف ( طبرق بلدة ليبية تحتفظ بلبها الأبيض بفطرتها ، هي بلدة تريد ان تحتفظ بروح القرى وسلامة الصحراء ، هي لسان صخري في البحر ، الصحراء سند من جهة وللبحر منها جهتان ) ص5
من الذي جاء بها إلينا الآن ؟؟
ذاكرة الشاعر الجديدة ، الشاعر من حوّلها من وجود جغرافي قصي الى أيقونة جمالية شعرية تماهى بها مع أيقونات مكانية اخرى مختزنة في ذاكرة الشاعر القديمة وأحدث بها ومن خلالها مقاربة جمالية بين :
ذاكرتين / مكانين
ذاكرة قديمة / ذاكرة جديدة
العراق ، مكان / طبرق ، مكان
احتوت هذه المجموعة ( 35 ) عنواناً تراوح بين نص قصير ومتوسط لتأتي ب (95 ) صفحة من القطع المتوسط شغل المكان في هذه العناوين لما تحمله من دلالة مكانية ( 12 ) نصاً وهذا مؤشر قادنا ويقود المتلقي على قراءة هذه المجموعة على وفق معطيات المكان وما يبوح به والذهاب الى المسكوت عنه الذي دلنا عليه المكان نفسه كما ورد في عنوانات هذه النصوص ذكر ( طبرق ) عشر مرات اضافة الى ما حملته عنونة المجموعة وهذا دليل اخر يؤكد هيمنة المكان على متون المجموعة التي بين أيدينا وياتي ذكر ( العراق ) اربع مرات / من مجمل عنونة النصوص / أفراح عراقي ، خمر عراقي ، النخلة الطالعة ورسالة من طبرق الى أولادي /
هذه العناوين هي محل بحثنا الموسوم ( المكان .. بين ذاكرتين ) والبحث من خلاله عن المقاربة الجمالية بين ذاكرتين مكانيتين ،
أفراح عراقية / ص 13
– كم حلوة يد طبرق وهي تفتح الباب
للذكريات . –
انها ذكريات الذاكرة القديمة التي استدعتها لحظة الآن لحظة القدوم الى هذا المكان الذي بدء يشكل ذاكرة جديدة تستنفر خزائن الذاكرة القديمة ذاكرة الشاعر المغترب الذي شبه نفسه .
– مثل شوكة نبتت خطأً في المكان –
لكنه سرعان ما يستدرك شعوره بالغربة اول الامر محاولا طمئنة النفس الملحة الضاغطة الامّارة بالخوف من المجهول
– حانية طبرق على الغرباء –
هل يكفي هذا القول والاعتراف المخاتل للنفس كي تطمئن ؟ وصوت العراق يلاحقه اينما حلّ انه صوت فاطمة صوت العراق
– رأيت صوتاً طرياً.
التمع بين الأشجار
صوت فاطمة
فاطمة فاطمة فاطمة !
صوتها ، صوتها صوتها الهي يد الرحمة
قني من جنون الفرح –
كأني بالشاعر هنا يتمثل او يعيد معاناة الشاعر السياب مقاربا لحالتيهما بين غربتين حين يصيح
السياب ( الريح تصرخ بي : عراق
والموج يعول بي : عراق عراق ليس لي سوى عراق )
هذه البنية النصية وما احدثته من انزياح للمعنى النصي نحو تمثل معنى اخر مشابه ومعقود بذاكرة المتلقي لامتثال الحالتين بمداليلهما الايحائية لإنتاج معنى جديد مع اختلاف حالتي الشاعرين في الزمان والمكان فاطمة صارت دورة أسطوانة عند ياسين طه حافظ كما كان العراق دروة أسطوانة عند السياب وفي كلاهما هو صوت العراق / مكان شعوري حسي عاطفي ليس مكانًا جغرافيًا لذلك ادى واجبه في انتاج بنية شعرية متخيلة .
وفي نص اخر يحمل عنوان
– خمر عراقي – ص 16
في هذا النص يجزء الشاعر المكان الى محلية جزئية للإشارة الى الكل ليوجد مقاربة بين مكانين منطلقاً من جزئيهما المحليين
طبرق / ليبيا
ديالى / العراق
ليدلنا بوجه الخصوص عن وجهة المتشابه الطبيعي للمكانين حين يسأل :
– الآن اعرف كيف يجف ثدي الخوخة
وسَكب عذوبتها على حشاشتي المشتعلة
هل غير ( ديالى ) يملك هذا الفرح
المعتق في خوالي العراق الاولى ؟؟
دعني ارتشفك ايها العراق العذب –
وفي نص اخر بعنوان – النخلة الطالعة – مدار بحثنا
هنا يستبدل الشاعر المكان الجغرافي بمدلول اخر اذ جعل من النخلة هذا الكائن الذي يحمل ما ترسخ في الذهن الجمعي من مدلول استحال الى مكان رامز لمكان اقترب من القوة بإحالته الى الأسطرة اذ ما ان تذكر النخلة الا ويشخص معها اسم العراق بلد النخل فالنخلة ارض عراقية / مكان وإذ يتساءل الشاعر باستغراب كيف انتقل هذا الكائن ، هذا المكان ، هذه الذاكرة القديمة الى هذا المكان ليؤسس الشاعر ذاكرة جديدة ، مكان جديد مألوف تتروض وتطمئن عنده روح الشاعر الحاسة بالغربة فيؤول هذا الوجود لهذا الكائن ، المكان ، النخلة فيقول :
هل ألقى جائع يأكل على عجل
نواةً هنا
لتطلع في هذه الارض الحجرية القريبة من البحر
فسيلةً ، طفلة تريد ان تكون ؟؟ –
بهذا التبرير الذي اختلقه الشاعر ليخلق معه وطناً افتراضياً أنتجه وجود هذه النخلة / المكان ليفترض مكاناً منتجاً من مخزون ذاكرة قديمة
اذن : توجب عليه ان يديم هذا الوجود
– ساسقيك كل يوم من زجاجة الماء حصتي
في هذا الصيف ؛ قدح لي وقدح لكِ .
انا الآن لست وحدي
ولست بعيدا عن عائلتي
أنتِ معي ، لن أظل وحيداً لاحزاني – ص22
ثم يعود الشاعر ليختتم هذا النص الموجع بقوله :
– ستكبرين ايتها البنت العراقية –
نعم ستكبر لتكون لك ومعك وطنا يؤنس غربتك ايها الشاعر فالنخل كما عهدناه لا يخون محبيه ، انه الوطن .
وفي نص آخر وهو مسك ختام بحثنا والذي يعد اطول نصوص المجموعة حجمًا اذ تمدد على مساحة ست صفحات اقترن بعنوان وإهداء فالعنوان / رسالة من طبرق / والإهداء الى أولادي رسالة من مكان الى مكان من ذاكرة الى ذاكرة
– حبنا عذاب
وخبزنا يا ولدي عذاب – ص 79
تضمن هذا النص المفجع وصايا الشاعر لأولاده وهو يحط رحاله في بلاد الغربة بحثاً عن حياة افضل لهم
رند …
كأنها تريد ان تقول لي : نعم ولا ،
ارحل ولا ترحل ، ولست الراحل الوحيد
يا ولدي امسك بكف أختك الطري
خلها تنتظر الآن
اخاف من سؤالها – ص80-81
ثم يعود الشاعر ليفجعنا بوصية اخرى
– اختكم « دلمون « كيف وجهها ؟
غائبة ٌ ضحكتهُ
شحوبه دمر قلبي حينما
عانقتها في الباب ؟
يا «طرفة « !
وهي تدور حول وجه امكم
أحداقكم تلمعُ في مكانها ولا جواب ْ
– ص82
لينهي الشاعر فجيعة الترحال والاغتراب المكاني بقول :
– يا ولدي السطوة للزمان
– ولا احتجاج لي ولا عتاب ْ
واخيراٌ ماذا كان على ( طبرق ) ان تفعل ما كان لهذا المكان الذي حط الشاعر عنده هل ليستريح ؟
– طبرق لا تجيبني
– صامتة لا تقول اي شيئ
– خبيرة
وتعرف الاحزان
يأتي لها الأغراب كلّ زمنٍ
يبكون في ساحلها –
( ايّام طبرق ) ذيّل الشاعر ياسين طه حافظ معظم نصوصها بتاريخ كتابتها عام 1997 وهو وقت اغترابه عن أهله ووطنه للعمل في ليبيا وصادف ان يكون محل عمله في طبرق هذا المكان الذي اشعل جذوته المتقدة في روح الشاعر شوقاً واستياقاً وقد احال الشاعر وعمم ما عاناه لينقل اثر تلك الجذوة الى قلوبنا في محاولة لنتماهى مع هذه التجربة المنتجة لحلو العذاب وأعذبه شعراً لا يغفل مدى تأثيره على مشاعر واحاسيس المتلقي الذي يعيد إنتاجه مرة بعدية جديرة بالقراءة والتأمل فيها فيض من العطاء لا ينتهي بقراءة واحدة
ايّام طبرق / مجموعة شعرية مذهلة تؤرخ بحزن كظيم تجربة الابتعاد عن المكان الاول ليؤسس رغم المعاناة مكاناً جديداً اخر فرضته الظروف قسرًا
– يا ولدي السطوة للزمان
– ولا احتجاج لي ولا عتابْ ..

 

About alzawraapaper

مدير الموقع