المقدادي يخوض في «جدل الاتصال»

حمزة مصطفى

في كتابه «جدل الاتصال» الصادر العام الماضي، ينطلق الدكتور كاظم المقدادي من زاوية جديدة لتحديد هذا المفهوم عبر العصور بدءا من العصر اليوناني حتى اليوم.. ولأن المقدادي أستاذ إعلام متمرس وكاتب وباحث متخصص في الشأن الإعلامي أو الاتصالي، فإن رؤيته تتطلب فحصا دقيقا.. فالمقدادي حاول إيضاح مضمون مفهومه هو على الأقل لما أسماه جدل الاتصال، وذلك بوضع عنوان ثانوي هو «استقراء الزمن الحقيقي».. ولأن الأرضية المعرفية التي خاض فيها المقدادي موضوعات الكتاب هي الفلسفة، فإنه جعل فهم المفاهيم والمصطلحات مسؤولية القارئ.. ومن الواضح، طبقا لسياق البحث وتتبع مفردة الاتصال وربطها باللغة بوصفها أداة التفاهم الأهم بعد الأصوات لدى الشعوب وربط هذا كله بوسائل الإعلام منذ بداياتها الأولى البدائية حتى أعقدها حاليا، فإن المقدادي يريد أن يراهن على وعي القارئ أو المتلقي الحديث.
فالمقدادي ينطلق في بحث هذا الموضوع المعقد، ويجمع بين الفلسفة والفيزياء طبقا لرؤية عالم الفيزياء الشهير ستيفن هوكينج، لاسيما في كتابه المثير للجدل (تاريخ موجز للزمن)، وربط ذلك كله باللغة وصولا إلى طرق التعبير الاتصالية.. وحسنا فعل المؤلف حين جعل أول أداة اتصالية ذاتية بحت وهي المرآة طبقا للأسطورة اليونانية وانعكاسها على النفس.. وفي سياق تبريره لما يريد الوصول اليه يقول في مقدمته «من هنا .. تبدأ فكرة استقراء الزمن الحقيقي في اكتشاف الصورة وحركة الماء الذي ينتقل من الجزء الى الكل، ومن الخاص إلى العام».
وحيث لا يفتى ومالك في المدينة، كما يقال، فإن أستاذ الفلسفة الدكتور طه جزاع الذي كتب توطئة للكتاب، ويبدو لي التوطئة بلغة الفلاسفة غير المقدمة، يرى أن «المؤلف الذي انهمك لسنوات ـ على حد علمي ـ من أجل إتمام موضوعه، فإنه لم يترك شاردة ولا واردة في تاريخ الفلسفة تخص تأصيل موضوعه من دون الإشارة إليها من بواكير الفلسفة اليونانية إلى أفلاطون وأرسطو عروجا الى الفلسفة الغربية في العصر الوسيط وفلاسفتها الكبار».. وأكاد أتفق مع الدكتور طه في محاولته تأكيد الحاجة الى سلسلة كتب أو أطروحات تطبيقية لما طرحه المقدادي كون أن هذا الكتاب تضمن جرعة دسمة من المفاهيم والأفكار في الفلسفة والفيزياء وعلم الاتصال، وهي كلها تحتاج الى توضيح وتبسيط.. وبالرغم من أهمية الجهد المبذول في هذا الكتاب، فإني أرى من الأهمية إيراد بعض الملاحظات بدءا من العنوان.. فإذا كان «جدل الاتصال» يجعل القارئ يذهب الى السياقات التطبيقية لوسائل ووسائط الإعلام «الميديا, والسوشيال ميديا»، فإن العنوان الذي أراده أن يكون توضيحيا «استقراء الزمن الحقيقي» جعل الأمر أكثر تعقيدا لأنه نقلنا من الاتصال الى الفلسفة مرة والفيزياء مرة أخرى.. وعلى صعيد الفرق الدلالي بين الاتصال والصلة، فإن الدكتور المقدادي يخلط أحيانا بين كلا المفردتين اللتين تمثلان مفهومين مختلفين.. بمعنى أن ليس كل مفردة اتصال تعني ما أراد الذهاب إليه الدكتور.. المقدادي يشير إلى كتاب الفيلسوف ابن رشد «فصل المقال في تقرير مابين الشريعة والحكمة من الاتصال»، ويضيف ذلك الى رصيده على صعيد رصد مفردات ومفاهيم الاتصال، بينما القصد لدى ابن رشد الصلة بالمعنى الديني الفقهي، لا الاتصال بالمعنى الذي أراد المؤلف الذهاب إليه.

About alzawraapaper

مدير الموقع