المقاهي البغدادية مجالس للأدب

كثرت المقاهي الأدبية في بغداد أواخر الأربعينات من القرن الماضي وأصبحت ظاهرة اجتماعية عراقية ، حيث اللقاءات اليومية بين الادباء والشعراء وكاتبي القصة، كتابا وشعراء ونقاداً وباحثين وغيرهم.. تدور بينهم النقاشات اليومية الجادة ، فيما يشترك الكثير منهم وبشكل مستمر بمختلف الشؤون الثقافية والسياسية .
كانت المقاهي الثقافية المكان المناسب للمثقفين والسياسيين وشرائح اجتماعية واسعة من ابناء الشعب ، وأصبحت عبارة عن مدارس تعلم فيها الأدباء والشعراء الكبار الكثير من العلوم والمعارف من خلال الحوارات التي تعقد فيما بينهم. وهم يجلسون على أرائك خشبية أمام السماورات والقواري الموضوعة في (الأوجاغ) الذي يغلي فيه الماء ويخدر منه (الشاي المهيّل) وشاي الدارسين وشاي الحامض وشاي الكجرات الحامض وشرب الأركيلة لدرجة ان قسما منهم يلقي أشعاره وهو يلعب الطاولة أو الدومينو . ولم توقف ضوضاء زبائن المقاهي ولعب الدومينو والطاولة وصخب المارة وأبواق السيارات هذه المقاهي من الحوار الجاد المتبادل بين المثقفين والتباحث في أمور الحياة الأدبية والسياسية وتفاصيلها .
لقد شكلت المقاهي الادبية ، ذاكرة للثقافة العراقية ، وأصبحت الوسط الذي تخرج منه ألمع المثقفين العراقيين الذين ساهموا بنشاط في المشهد الثقافي بإبداعاتهم الخلاقة ، فلقد لعبت المقاهي الثقافية دوراً ثقافياً واجتماعيا وسياسيا منذ بداية النهضة الفكرية واصبح لها دورا مهما في حياة المثقف العراقي. حيث خرجت منها المحاولات الأولى لتطوير القصيدة العربية والشعر والمدارس الحديثة للفن التشكيلي والنحت.
ومع تقدم الوعي الاجتماعي والسياسي وتأسيس الأحزاب السياسية الوطنية العراقية وبتأثير الثقافة الغربية واليسارية وخاصة بعد ثورة اكتوبر والتي انتشرت في العراق في تلك الفترة أصبحت المقاهي بمثابة مراكز تجمع لرجالات الأدب والسياسة والفنون على حد سواء ، وأصبحت أشبه بالأوكار لنشر المدارس الفكرية الجديدة والأفكار السياسية الوطنية التي كانت تخشاها الحكومات العراقية المتعاقبة في تلك الفترة . حيث كانت الوظيفة السياسيـة لهذه المقاهي هو التصدي لمخططات الاستعمار البريطاني ، بوصفها مكان تجمع لغالبية المثقفين من شعراء وأدباء وفنانين وسياسيين، … لذلك ارتبطت المقاهي في العراق بأبرز الاسماء الادبية والسياسية والاجتماعية المعروفة .
لم تعرف بغداد شارعاً حقيقياً في العهد العثماني . كان شارعها الأول والوحيد هو شارع النهر الذي شيّده الوالي ناظم باشا في العام 1910 وإثر انتصار الوالي خليل باشا في مدينة الكوت عزم على أن يكون أول من يشيّد الشارع الأول في جانب الرصافة من بغداد لتسهيل وصول القناصل الأجانب الذين كانوا يسكنون على ضفاف نهر دجلة في الباب الشرقي وكبار الشخصيات البغداديّة التي تقطن في محلّتي الحيدر خانة وباب الشيخ الى السراي مقرّ الحكومة. وخلف قرار الوالي العامل الشخصي الذي غدا شائعاً لدى الولاة العثمانيين رغبة في مجاراة موضة التحديث وإطلاق أسمائهم على أي إنجاز مهما كان هامشياً . شيد الشارع في أيار (مايو) من العام 1916 حيث كلف رؤوف بك الجادرجي رئيس البلدية (شقيق الزعيم كامل الجادرجي) بوضع الخرائط لمباشرة العمل فيه، وتمّ إنجاز الشارع في مدّة وجيزة نسبيّاً، وأُطلقت عليه تسمية (خليل باشا جادة سي) أي (شارع خليل باشا) ، ودوّن ذلك في قطعة زخرفية وضعت على جدار جامع سيد سلطان علي . وظلّت اللوحة معلّقة حتى خمسينيات القرن الماضي . وظلّ الشارع حتى احتلال بغداد في 11 آذار (مارس) 1917 مليئاً بالحفر يعلوه التراب، وبدأ الإنكليز أول عهدهم بتعبيد الشارع وأطلقوا عليه تسمية ( الشارع الجديد ) ، بينما سمّاه البغداديّون (الجادة العمومية) ثم سمّي ( الشارع العام ) ليطلق عليه أخيراً اسم ( شارع الرشيد) تيمّناً باسم الخليفة العباسي هارون الرشيد. وبمرور السنين أصبح لهذا الشارع حصة الأسد من المقاهي الأدبية الشهيرة ، إذ قامت على جانبيه كل من مقاهي : الزهاوي ، حسن عجمي ، الواق واق ، البرازيلية ، ياسين ، شط العرب ، البلدية ، البرلمان ، المعقدون، الشابندر ، الرشيد ومقهى الغناء أم كلثوم ، سمر وغيرها الكثير . واعتبر هذا الشارع ومقاهيه المنتشرة على أماكن مختلفة من جانبيه المكان الذي تنطلق منها تظاهرات الأحزاب والقوى الوطنية العراقية والمثقفين والسياسيين ضد الهيمنة البريطانية والحكومات المتعاقبة طوال سنوات طويلة حتى قيام ثورة 14 تموز عام 1958 . ومن أبرز الشخصيات الثقافية التي غذت الحماس الوطني وألهبته مع بدء ثورة العشرين في 30 يونيو/ حزيران 1920 الشاعر والخطيب المعروف محمد مهدي البصير. وفي الثلاثينات من القرن الماضي كان ينطلق من مقهى (عارف آغا) المثقفون والوجوه الوطنية المعروفة ليشاركوا في المظاهرات الوطنية والاحتفالات التي يحييها الشاعر معروف الرصافي .

About alzawraapaper

مدير الموقع